المحلية

حافظ بن كمرة ينسحب من السباق الانتخابي بتازة.. قرار أخلاقي في مواجهة منطق التكرار السياسي

في خطوة تحمل أكثر من دلالة سياسية وأخلاقية، أعلن حافظ بن كمرة، أحد أبناء إقليم تازة، عدوله عن الترشح للانتخابات التشريعية المقررة هذه السنة، بعد فترة من التفكير والتشاور واستحضار واقع المشهد السياسي بالإقليم.

بن كمرة أوضح، في بيان موجه إلى الرأي العام، أن قراره لم يكن وليد لحظة عابرة، وإنما جاء نتيجة قراءة للواقع الانتخابي والسياسي المحلي، معتبراً أن المرحلة الحالية لا تبعث على التفاؤل، في ظل استمرار المشهد ذاته وعودة الوجوه نفسها إلى الواجهة، بما يطرح سؤالاً مشروعاً حول قدرة الإقليم على إنتاج بدائل جديدة قادرة على حمل انتظارات الساكنة.

ويكتسي هذا القرار أهمية خاصة، ليس فقط لأنه يتعلق بانسحاب شخص من سباق انتخابي، وإنما لأنه يضع الأصبع على واحد من أبرز أعطاب الممارسة السياسية بإقليم تازة: أزمة التجديد وغياب التداول الحقيقي على الوجوه والكفاءات.

فحين تتحول المقاعد النيابية، كما جاء في بيان بن كمرة، إلى ما يشبه “إرثاً يتم تداوله بين أسماء محدودة”، يصبح من المشروع طرح أسئلة صعبة حول جدوى العملية الانتخابية، وحول مدى قدرة النخب السياسية على إقناع الشباب والكفاءات بأن المؤسسات المنتخبة قادرة فعلاً على استيعاب طموحاتهم وتطلعاتهم.

واللافت في موقف حافظ بن كمرة أنه لم يقدم انسحابه باعتباره هروباً من المنافسة، بل اختار أن يجعله موقفاً سياسياً وأخلاقياً ضد ما وصفه بمنطق التكرار، مؤكداً أنه لم يدخل المسار الانتخابي بحثاً عن موقع أو امتياز، وإنما رغبة في المساهمة في خلق نفس جديد داخل المشهد السياسي المحلي.

ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى قرار الانسحاب باعتباره رسالة أقوى من مجرد إعلان ترشح، خصوصاً عندما يأتي من شخص كان بإمكانه الاستمرار في السباق، لكنه اختار، وفق ما أورده في بيانه، أن يقول “كفى” لمنطق إعادة إنتاج المشهد نفسه.

والأكثر أهمية أن بن كمرة لم يغلق الباب أمام الشأن العام، بل أعلن عزمه الاستمرار في التتبع والنقد البناء والمساهمة في المبادرات الجادة التي تجعل من تنمية تازة أولوية، وهي نقطة تستحق الإشادة، لأن خدمة الإقليم لا ينبغي أن تكون مرتبطة حصراً بمقعد برلماني أو منصب سياسي.

غير أن هذا القرار يضع، في المقابل، مسؤولية أكبر على الأحزاب السياسية والفاعلين المحليين، خاصة في ما يتعلق بفتح المجال أمام الشباب والكفاءات الجديدة، بدل الاكتفاء بإعادة تدوير الأسماء نفسها في كل استحقاق انتخابي.

فتازة، التي تزخر بكفاءات وطاقات شابة، لا تحتاج فقط إلى موسم انتخابي جديد، وإنما إلى نفس سياسي جديد يعيد الاعتبار لفكرة التمثيلية الحقيقية، ويجعل التنافس قائماً على البرامج والكفاءة والقدرة على الدفاع عن مصالح الإقليم، لا على قوة الشبكات الانتخابية واستمرار الوجوه ذاتها.

ومن هنا، فإن قرار حافظ بن كمرة، بصرف النظر عن تقييمه السياسي أو عن موقعه في الخريطة الانتخابية، يستحق أن يُقرأ باعتباره موقفاً يدعو إلى مراجعة أعمق للمشهد المحلي. فحين يختار مترشح الانسحاب احتجاجاً على غياب التجديد، فإن الرسالة لا تتوجه إليه وحده، وإنما إلى مختلف الفاعلين الذين يتحملون مسؤولية إعادة بناء الثقة في العمل السياسي.

ويبقى التحدي الحقيقي أمام تازة هو تحويل هذه اللحظة إلى فرصة لفتح المجال أمام جيل جديد من الكفاءات، وإعادة الاعتبار للسياسة باعتبارها وسيلة لخدمة المواطنين والدفاع عن قضايا الإقليم، لا مجرد طريق نحو المقاعد والمواقع.

وفي نهاية المطاف، فإن الانتماء إلى تازة، كما جاء في رسالة بن كمرة، لا ينبغي أن يقاس بمقعد في البرلمان أو بمنصب كيفما كان، وإنما بما يقدمه الإنسان لإقليمه من عمل ومبادرات ومواقف. وربما تكون قيمة هذا القرار تحديداً في أنه أعاد طرح سؤال طالما ظل حاضراً خلف الكواليس: هل تحتاج تازة إلى مزيد من الوجوه نفسها، أم أنها أصبحت في حاجة فعلية إلى جيل سياسي جديد؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى