الرأي

مغرب العهد السياسي الجديد

بعد نجاح العملية السياسية في الانتخابات التشريعية ببلادنا وتصدر حزب الأصالة والمعاصرة المشهد السياسي، دخل المغرب مرحلة جديدة في تعزيز مكانة المرأة المغربية وتكريس دورها في الحياة العامة، وذلك بعد تعيين جلالة الملك محمد السادس نصره الله السيدة فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة المغربية الجديدة وكلفها بتشكيل الحكومة وفق الفصل 47 من الدستور.

هذا الحدث الذي أعطى أهمية سياسية كبرى لحضور بارز للمرأة في المؤسسات المنتخبة وفي مواقع المسؤولية داخل الدولة ومناصب صناعة القرار. وهذا تعبير صريح على أن نساء المغرب نساء قادرات ومجتهدات ومتألقات في جميع الميادين، بدءًا من مواقع المسؤولية ومن تسيير قطاعات وطنية إلى التمثيليات الدبلوماسية عبر العالم وإلى المؤسسات الدستورية ووصولًا إلى رئاسة الحكومة.

وإذا تأملنا في لغة الأرقام والإحصائيات، سنجد أن النساء المغربيات دخلن التاريخ لمرات عديدة، حيث لم يكن الحضور المتزايد للمرأة المغربية في مواقع القرار وليد اليوم، بل هو امتداد لمسار راكمت خلاله المرأة المغربية العديد من المحطات البارزة.

حيث شكل تعيين السيدة زليخة نصري سنة 2000 مستشارة لجلالة الملك محمد السادس محطة تاريخية باعتبارها أول امرأة تتولى هذا المنصب. كما شهدت سنة 2007 حضورًا نسائيًا لافتًا داخل الحكومة من خلال تولي كل من ياسمينة بادو حقيبة الصحة، وأمينة بنخضرة حقيبة الطاقة والمعادن والماء والبيئة، ونوال المتوكل حقيبة الشباب والرياضة، وثريا جبران حقيبة الثقافة، في تأكيد على اتساع حضور الكفاءات النسائية في تدبير الشأن العام.

وعلى مستوى الجماعات الترابية، برزت السيدة أسماء الشعبي التي تولت رئاسة المجلس الجماعي لمدينة الصويرة خلال الفترة الممتدة بين 2003 و2009. كما شكل تعيين السيدة زينب العدوي سنة 2014 والية على جهة الغرب الشراردة وبني أحسن محطة تاريخية باعتبارها أول امرأة تتولى منصب والٍ في تاريخ المغرب، لتسجل بدورها حضورًا نسائيًا بارزًا في الإدارة الترابية.

وهكذا تواصلت هذه الدينامية عبر مختلف مستويات المسؤولية، من العمل المحلي والإدارة الترابية والحكومة ومراكز القرار، وصولًا اليوم إلى رئاسة الحكومة، بما يعكس مسارًا متدرجًا نحو تعزيز حضور المرأة المغربية في صناعة القرار الوطني.

أما بخصوص المشاركة السياسية للمرأة المغربية، فإن النساء أصبحن شريكًا أساسيًا في المشهد السياسي والحياة العامة ببلادنا. وتعكس الأرقام بدورها هذا الحضور المتنامي للمرأة المغربية في المشهد السياسي، حيث بلغت نسبة النساء من مجموع المنتخبين في مجلس النواب 27.09%، بما مجموعه 107 برلمانيات، في حين تمثل النساء 46% من مجموع المسجلين في اللوائح الانتخابية، وهو ما يؤكد حضورًا وازنًا للمرأة في قاعدة المشاركة السياسية.

كما بلغت حصة النساء من مجموع الترشيحات خلال هذه الانتخابات 36.47%، بما مجموعه 2658 مترشحة، فيما

سجلت الدوائر الانتخابية المحلية انتخاب 17 امرأة، أي ما يعادل 5.57% من المقاعد المحلية، مقابل ست نساء فقط خلال انتخابات 2021، في مؤشر على اتساع حضور المرأة ليس فقط في التمثيلية البرلمانية، وإنما أيضًا في دوائر التنافس الانتخابي.

وفي هذا السياق، وأنا أكتب هذا المقال وأتأمل في أرقام إنجازات المرأة المغربية، ترددت في ذهني عبارة عنصرية لطالما رددها الجهلاء أمام مسامعنا، وهي: «المرأة مكانها المطبخ». عبارة عنيفة تجدها في المقاهي والبيوت وحتى على مواقع التواصل الاجتماعي، وكأنها حقيقة لا تقبل النقاش.

لكن الزمن تغيّر، والمرأة المغربية تغيّرت معه. لم تعد تُختزل في دور واحد، بل أصبحت حاضرة في مختلف المجالات، طبيبةً ومهندسةً وأستاذةً ومسؤولةً وفاعلةً في المجتمع.

فالمرأة لم تعد تنتظر أن يحدد لها أحد مكانها، لأنها أثبتت أن قدراتها لا تحدها جدران البيت، وأن طموحها يمكن أن يقودها إلى المختبر والجامعة والمقاولة والبرلمان ومختلف مواقع المسؤولية.

أما المطبخ، فلا عيب فيه ولا انتقاص من شأنه، لكنه يجب أن يكون اختيارًا لا قيدًا، ومهارةً يتقنها من أراد من الرجال والنساء، لا قدرًا يُفرض على المرأة لمجرد أنها امرأة.

وفي النهاية، لا يوجد مكان واحد للمرأة. مكانها هو حيث تجد نفسها، وحيث تستطيع أن تحقق طموحها وتضيف شيئًا إلى حياتها وحياة مجتمعها.

ومن دورنا نحن أن نغير من أفكار التمييز والعنصرية والتقليل من شأن المرأة، المرأة التي تحمل دور الأم والزوجة والأخت والابنة والمربية والأستاذة والطبيبة والمهندسة والمحامية والقاضية ورئيسة حكومة مملكة عريقة تقدر أفرادها فردًا فردًا، سواء رجالًا أو نساء.

وفي النهاية، أثبتت المرأة المغربية أنها قادرة على الحضور والعطاء في مختلف المجالات، وأن مكانتها لا يمكن اختزالها في دور واحد أو حصرها في صورة نمطية.

فمواجهة الأفكار التي تقلل من شأن المرأة مسؤولية المجتمع بأكمله، لأن مكان المرأة الحقيقي تحدده كفاءتها وطموحاتها واختياراتها، لا الأحكام المسبقة. وتمكينها من المشاركة في مختلف المجالات هو استثمار في مستقبل المغرب واستفادة من طاقات المجتمع كاملة، نساءً ورجالًا.

الكاتب عثمان القطيبي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى