يشهد الوسط الفكري عموماً، والمهني خصوصاً، جدلاً واسعاً حول الحدود الفاصلة بين توظيف الذكاء الاصطناعي رافعةً لتطوير المهارات، وخطورة الاعتماد المفرط عليه، أو، إن صح التعبير، الاتكال الكلي عليه، بما قد يهدد الشغف بالبحث عن المعلومة من مصادرها الأصيلة. وبين من يراه ضرورة تفرضها مواكبة التطور العلمي، لما يتيحه من الوصول إلى المعلومات في أقصر وقت ممكن وبدقة عالية، ومن يخشى آثاره على ملكات التفكير والتحليل، ولا سيما لدى الطلبة والمتمدرسين، تتباين المواقف وتتعدد وجهات النظر.
وهكذا، يتضح أن المسألة لا تتوقف عند حدود إمكانية الاستفادة من التكنولوجيا ذاتها، وإنما تتجاوز ذلك إلى البحث في الغاية التي يتوخاها المستخدم من الاستعانة بالذكاء الاصطناعي، والمنهجية التي يعتمدها في التعامل معه. فالاستعانة به محفزاً للتطوير وتوسيع الآفاق، باعتباره مساعداً ذكياً لا بديلاً عن التفكير والبحث، تشكل أداة نوعية تسهم في رفع كفاءة التحصيل العلمي وتسريعه، وتوفير الوقت، بما يمنح الباحث مساحة أكبر للتركيز على النتائج المرجوة من موضوع بحثه.
وفي المقابل، فإن مظاهر الخطر التي قد تنجم عن استعماله، في نظري، تكمن في تحوّل هذه الاستعانة إلى نوع من الاتكال المفرط الذي قد يقوّض مهارات الباحث الأساسية وقدراته التحصيلية، نتيجة اكتفائه بالإجابات الجاهزة والملخصات الميسّرة. ومن شأن ذلك أن يضعف قدرته على الغوص في أمهات المصادر، ويحدّ من ممارسته القراءة المتأنية والمقارنة والبحث بين النصوص، وهي عمليات تشكل ركائز أساسية في بناء المعرفة وتنمية ملكات التفكير النقدي والتحليل.
وبناءً على ما سبق، فإن الرهان الحقيقي لا يكمن في رفض التطور التكنولوجي، ولا في التسليم المطلق له، وإنما في إرساء قواعد واضحة للتعامل معه، تروم تحقيق التوازن بين الاستفادة من أدوات البحث الذكية والحفاظ على استقلالية عقل الباحث، الذي حباه الله تعالى به تكريماً وتفضيلاً، بما يجعله قادراً على التفكير والتحليل والتمييز، بدلاً من الاكتفاء بتلقي المعلومات الجاهزة.
بقلم الأستاذ: فؤاد لغمام