الرأي

بين صورة أطفال بويبلان وأطفال تازة… عندما يسبق نبض المواطنين صمت المسؤولين

في صيف عام 2019، وخلال نهائيات كأس الأمم الإفريقية بمصر، خطفت صورة أطفال من منطقة بويبلان بإقليم تازة وهم يتابعون مباريات المنتخب الوطني المغربي في ظروف بسيطة أنظار الرأي العام الوطني. وتناقلت مختلف المنابر الإعلامية تلك الصورة التي جسدت عشق المغاربة لقميص المنتخب، رغم قساوة الظروف والإمكانات المحدودة. ولم يكن تأثيرها عادياً، إذ تفاعل معها عدد من لاعبي المنتخب الوطني، معتبرين إياها رسالة وفاء ودعماً معنوياً يستحق كل التقدير.
وبعد سبع سنوات، أعاد مونديال 2026 مدينة تازة إلى واجهة المشهد الإعلامي بصورة أخرى لا تقل رمزية، حيث ظهر ثلاثة أطفال يتابعون مباراة المنتخب المغربي أمام هولندا من نافذة منزل الجيران، في مشهد مؤثر اختزل معاني البراءة والانتماء والشغف بكرة القدم، وأثار تعاطفاً واسعاً على منصات التواصل الاجتماعي وداخل وسائل الإعلام الوطنية.
ولم يقف صدى هذه الصورة عند حدود التفاعل الشعبي والإعلامي، بل بلغ أعلى سلطة في البلاد، حيث تفضل صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، بالالتفات إلى هؤلاء الأطفال، موجهاً بمنحهم هدايا ولأسرهم، في مبادرة ملكية إنسانية تعكس العناية التي يوليها جلالته للمواطنين، خاصة الأطفال، وتؤكد أن الرسائل الصادقة تصل دائماً إلى أصحاب القرار.
غير أن هذا التفاعل الوطني الواسع يطرح، في المقابل، أكثر من علامة استفهام حول موقف المسؤولين المحليين بمدينة تازة، وفي مقدمتهم المجلس الجماعي، الذي اختار الوقوف موقف المتفرج، دون أن يبادر إلى اتخاذ خطوات بسيطة كان من شأنها إشراك الساكنة في أجواء هذا الحدث الكروي العالمي، كتنصيب شاشة عملاقة بساحة 20 غشت أو بأحد الفضاءات العمومية، على غرار ما دأبت عليه مجالس سابقة خلال التظاهرات الرياضية الكبرى.
إن توفير فضاء عمومي لمتابعة مباريات المنتخب الوطني لا يعد ترفاً، بل هو مبادرة رمزية تعزز قيم المواطنة والانتماء، وتمنح الأسر والشباب فرصة للاحتفال الجماعي بإنجازات المنتخب في أجواء آمنة ومنظمة. كما أنه يعكس تفاعلاً إيجابياً للمؤسسات المنتخبة مع نبض الشارع وتطلعات المواطنين.
فإذا كانت صورة ثلاثة أطفال استطاعت أن تحرك مشاعر ملايين المغاربة، وأن تصل إلى اهتمام جلالة الملك، فإن من المؤسف أن تمر أمام أعين المسؤولين المحليين دون أي مبادرة تذكر. وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول مدى تفاعل المؤسسات المنتخبة مع القضايا واللحظات التي توحد المغاربة، بعيداً عن الحسابات الضيقة.
لقد أثبت الأطفال، مرة أخرى، أن الوطنية ليست شعارات ترفع في المناسبات، بل مشاعر صادقة تنبع من القلب. أما المسؤولية، فتقاس بمدى القدرة على مواكبة تلك المشاعر وتحويلها إلى مبادرات ملموسة تقرب المؤسسات من المواطنين، لا أن تكتفي بدور المتفرج في لحظات الفرح الوطني.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى