الرأي

تازة والعدالة اللغوية في الهوية البصرية: تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية مسؤولية دستورية للجماعات

رشيد شعبيط

يرى علماء اللغة أن اللغة ليست مجرد أداة للتواصل، بل هي مرآة للوجود وذاكرة للجماعة وصوت يعلن حضور الإنسان في العالم. وفي حضن بين مقدمة جبال الريف وجبال الأطلس المتوسط، حيث تتعانق الذاكرة مع الحلم بمدينة سميت تازة أو ثازا، يظل الفضاء العمومي شاهدا على مفارقة صارخة بين النصوص الدستورية والواقع المعيش، فالأمازيغية، التي حُسمت دستوريا كلغة رسمية منذ سنة 2011، ما تزال غائبة عن اللوحات والواجهات والوثائق الإدارية، وكأن الاعتراف القانوني مجرد وعد مؤجل.
هذا الغياب لا يمكن اعتباره خللا تقنيا، بل هو مسؤولية مباشرة للجماعات المحلية التي تدبّر المشهد البصري والإداري. فوفقا للقانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات، يتمتع رئيس المجلس الجماعي بسلطة الشرطة الإدارية، ما يمنحه صلاحية إلزام المؤسسات والمحلات والإدارات بكتابة الأمازيغية في الفضاء العام. وأي تقاعس هنا هو إخلال بالواجب الدستوري، وإقصاء رمزي يضع المواطن الأمازيغي في موقع الهامش ويحوّل يومياته إلى تجربة اغتراب داخل محيطه الجغرافي.
مدينة تازة، بما تحمله من رمزية تاريخية وثقافية، لا يمكن أن تظل نموذجا لغياب العدالة اللغوية، فالجماعة المحلية مطالَبة اليوم بتحويل الاعتراف الدستوري إلى ممارسة يومية، وجعل الأمازيغية جزءا أصيلا من الهوية البصرية والإدارية والإسراع في هذا المسار هو إعلان عن مغرب متصالح مع ذاته، بينما التأخير فيه يرسخ الإقصاء.
العدالة اللغوية ليست ترفا، بل هي شرط لبناء ثقة متبادلة بين المؤسسات المنتخبة والمواطن، وحين تُقصى الأمازيغية من المشهد البصري، فإن الرسالة التي تصل إلى المواطن هي أن وجوده ناقص، وأن ذاكرته لا تستحق أن تُكتب في العلن.
إن تفعيل الأمازيغية دستوريا وقانونيا هو أكثر من مجرد كتابة بحروف تيفيناغ، إنه إعلان يومي عن العدالة والمساواة اللغوية، وعن مغرب متصالح مع ذاته.
بعد إقرار يوم 14 يناير عطلة رسمية للاحتفاء برأس السنة الأمازيغية، يطرح سؤال جوهري هل نحن في حاجة إلى عرائض شعبية وملتمسات جمعوية من أجل دفع الحكومة والجماعات الترابية إلى تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية والعدالة اللغوية؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى