الرأي

الجميع_يشتكي_من_السياسة

✍🏻 الشهبي أحمد: كاتب ومدون

في مقهى الحي، لا تحتاج إلى تلفاز لتعرف أن المغاربة غاضبون من السياسة. يكفي أن تجلس إلى جوار أولئك الرجال الذين يبدؤون الكلام همسًا، ثم لا يلبث صوتهم أن يعلو كلما مرّ الحديث بالحكومة والانتخابات والأسعار.

واحد يشكو من المستشفى، وآخر من المدرسة، وثالث من الإدارة، ورابع يشكو غلاء المعيشة، وخامس يحلف أن «السياسيين كاملين بحال بحال». والبقية يهزون رؤوسهم موافقين، ويزيد أحدهم مشكلة يعرفها الجميع، ثم ينتهي النقاش بجملة كأنها خلاصة عمر سياسي كامل:

«الله يجعل شي واحد يقضي لينا الغرض وصافي».

عند هذه الجملة بالذات، يكفّ الأمر عن أن يكون كلامًا عابرًا في مقهى.

فـ«قضاء الغرض» قد يفسّر علاقتنا بالسياسة أكثر مما تفسّرها عشرات الخطب والبرامج الانتخابية.

نريد من السياسي أن يكون نزيهًا، وأن يدافع عن المصلحة العامة، ويحسن تدبير الشأن العام، ويحاسب الحكومة، ويراقب المال العام، ويشرّع لما فيه خير الناس. لكن ما إن يتعلق الأمر بنا نحن، كلٌّ بحاجته، حتى تتغير قواعد اللعبة.

نريده أن يساعد قريبًا في استخراج وثيقة، أو يتدخل لدى مسؤول، أو يحلّ مشكلة إدارية، أو يفتح بابًا ظل موصدًا، أو «يهضر مع شي واحد» لقضاء مصلحة شخصية. وهكذا يصير السياسي الجيد في المخيال اليومي ليس من يدافع عن قضية عامة، بل من «ما كيخليش الناس ديالو».

والمشكلة ليست في المواطن وحده، ولا في السياسي وحده. إنها علاقة صنعها الطرفان معًا على مرّ السنين. السياسي يحتاج إلى الأصوات، والمواطن يحتاج من يقضي له أغراضه. السياسي يعرف أن الخدمات الشخصية تصنع ولاءً انتخابيًا، والمواطن يعرف أن القرب من منتخب أو مسؤول يوفر عليه كثيرًا من الانتظار. وبينهما علاقة تبدو نافعة على المدى القريب، لكنها تترك سؤالًا أكبر معلقًا: ماذا يحدث للمصلحة العامة حين تصير السياسة شبكة علاقات شخصية؟

حين يصبح السؤال قبل الانتخابات «شكون غادي ينجح؟» بدل «شنو غادي يدير؟». وحين يصير معيار الاختيار «واش نعرفو؟» أو «واش يقدر يقضي الغرض؟» بدل «ماذا يقترح؟ وما الذي يستطيع تغييره؟».

عندها لا نكون أمام مشكلة انتخابية فقط، بل أمام ثقافة سياسية كاملة.

قد نجد المواطن نفسه يشتكي من ضعف الخدمات العمومية، ثم يبحث عن واسطة ليتجاوز الطابور. يشتكي من الإدارة، ثم يسأل عمّن يعرف شخصًا داخلها. يرفض المحسوبية حين يستفيد منها غيره، ويجد لها ألف عذر حين تخدم مصلحته. وتلك من مفارقاتنا القاسية: نرفض الفساد كفكرة، ونتسامح مع بعض صوره متى صار منفعة لنا.

ولا أقول هنا إن المواطن مسؤول عن أعطاب الدولة، ولا إن كل من طلب مساعدة من منتخب يمارس الزبونية. فثمة حالات يكون فيها التدخل مشروعًا، كأن يتعلق الأمر بالدفاع عن حق، أو رفع ضرر، أو تسريع مسطرة تعطلت بلا سبب. لكن بين أن تطلب من المنتخب الدفاع عن حقك، وأن تطلب منه امتيازًا لا يناله غيرك، فرقًا كبيرًا. وهو في جوهره الفرق بين المواطنة والزبونية.

المواطنة تقول: «أريد حقي».

أما الزبونية فتقول: «أريد حقي بطريقة لا يصل إليها الآخرون».

ومن هنا يبدأ الخلل.

فالدولة الحديثة لا تقوم على معرفة الشخص المناسب، بل على مؤسسة تعطيك حقك ولو لم تعرف أحدًا. ولا ينبغي للمواطن أن يحتاج برلمانيًا ليحصل على وثيقة، ولا منتخبًا ليجد سريرًا في مستشفى، ولا شخصية نافذة ليُسمع صوته. فإذا كان الحق يحتاج إلى «معرفة»، فالعيب ليس في المواطن الذي يبحث عنها، بل في مؤسسة عجزت عن إيصال الحق إلى صاحبه بالطريق الطبيعي.

لذلك ربما علينا، قبل كل انتخابات، أن نطرح سؤالًا مختلفًا بعض الشيء. ليس فقط: لمن سيصوّت الناس؟ بل: أي علاقة نريد أن نبنيها بين المواطن والسياسي؟

هل نريد سياسيًا يجمع الأصوات لأنه يحسن المجاملة وقضاء الأغراض الفردية؟ أم نريد ممثلًا عموميًا يقول لنا، حتى حين لا يرضينا كلامه: «هذا حقكم وسأدافع عنه، لكنني لن أميّزكم عن غيركم»؟

قد تبدو الإجابة سهلة، لكن الحياة اليومية أعقد من ذلك. فالرجل الذي يشتكي في المقهى من المحسوبية قد يكون أول من يطلب «التدخل» حين تتعطل مصلحته. والسياسي الذي يحدثك عن دولة المؤسسات قد يجد نفسه مضطرًا إلى العمل بمنطق العلاقات الشخصية ليحافظ على رصيده الانتخابي. وهكذا ندور في حلقة يعرف الجميع أنها مختلة، ويصعب على كثيرين الخروج منها.

ولهذا لا يكفي، في ظني، أن نبدّل السياسيين كل خمس سنوات إذا بقينا نطلب منهم الأشياء نفسها بالطريقة نفسها. فالسياسة ليست ما يفعله النواب والوزراء والمنتخبون وحدهم، بل هي أيضًا طريقتنا نحن في التعامل مع السلطة والإدارة والانتخابات والمصلحة العامة. ومن يريد دولة مؤسسات قوية، عليه أن يتعامل مع نفسه باعتباره صاحب حق، لا صاحب «غرض».

يبدو الفرق لغويًا بسيطًا، لكنه عميق. صاحب الحق يقف أمام المؤسسة مرفوع الرأس، أما صاحب الغرض فيفتّش غالبًا عن شخص يعرف شخصًا.

#الشهبي_أحمد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى