المحلية
استطلاع.. حامة العين الحمراء بتازة.. مياهٌ يقصدها الباحثون عن الشفاء وكنز سياحي ينتظر الاستثمار (صور)

محمد علام
منبع معدني تتجاوز شهرته حدود المنطقة، ومياه غنية بالحديد، وزوار يتوافدون من مختلف جهات المغرب طلبًا للاستشفاء والاستجمام.. لكن خلف هذه المؤهلات، تكشف “العين الحمراء” بأجدير عن واقع آخر عنوانه ضعف التجهيز، ومشاكل النظافة، وطريق يحتاج إلى التأهيل، ومشروع سياحي لم يجد بعد طريقه إلى الاستثمار الأمثل.
بين أحضان جبال الريف، وعلى بعد نحو 76 كيلومترًا من مدينة تازة و15 كيلومترًا تقريبًا من مركز أكنول، تقع حامة “العين الحمراء”، أو “عين الرحمة”، كما تعرف محليًا باسمها الأمازيغي “تالا تازوكاغت”.
هنا، يخرج الماء من باطن الأرض محملًا بالمعادن، تاركًا على مجراه رواسب حمراء منحت المكان اسمه وشهرته، فيما يتوافد الزوار، منذ عقود، للشرب من مياه العين أو الاغتسال بها، اعتقادًا منهم بقدرتها على المساعدة في علاج عدد من الأمراض.
لكن “العين الحمراء” ليست مجرد عين ماء يقصدها الباحثون عن الاستشفاء؛ إنها أيضًا مورد سياحي وطبيعي واقتصادي يمكن أن يشكل رافعة لتنمية جماعة أجدير والمنطقة المحيطة بها.
مياه حمراء.. وشهرة بيضاء
يبدو المشهد للوهلة الأولى بسيطًا: مياه تتدفق من باطن الأرض، وزوار ينتظرون دورهم لملء القنينات أو الاستحمام، وسكان محليون يوفرون بعض الخدمات المرتبطة بتوافد الزوار.
غير أن وراء هذا المشهد تاريخًا طويلًا من الاعتقاد بخصائص المياه العلاجية.
وتشير مصادر محلية ودراسات حول المنطقة إلى أن مياه العين غنية بالحديد، وهو ما يفسر الرواسب الحمراء التي تظهر في مجراها. كما تشير معطيات منشورة إلى وجود الكالسيوم والمغنيزيوم والصوديوم إلى جانب الحديد، مع اختلاف بعض الأرقام المتعلقة بالصبيب والتمعدن بحسب المصادر والفترات التي أجريت فيها القياسات.
وهذه التركيبة المعدنية هي بالضبط ما جعل العين تحظى بسمعة خاصة لدى سكان المنطقة وزوارها.
ويقبل بعض الزوار على شرب مياهها، خصوصًا في الصباح وقبل تناول الطعام، اعتقادًا بأنها تساعد على تنظيف المعدة والتخفيف من بعض اضطرابات الجهاز الهضمي.
ما الأمراض التي يُقال إن مياه العين تعالجها؟
عند الوقوف أمام العين الحمراء، يجد الزائر نفسه أمام رواية علاجية متوارثة ارتبطت بالمكان منذ عقود.
وتذكر المصادر المحلية، وكذلك لوحة كانت موجودة بالموقع، مجموعة من الأمراض التي تنسب إليها فوائد هذه المياه، من بينها:
بعض اضطرابات الجهاز الهضمي والمعدة؛
أمراض الكبد؛
بعض الأمراض التنفسية؛
الروماتيزم وآلام المفاصل؛
بعض الأمراض الجلدية؛
كما يتداول بعض الزوار والسكان فوائد مرتبطة بـ فقر الدم، بالنظر إلى غنى المياه بالحديد.
وتورد مصادر صحفية محلية أن هذه الخصائص العلاجية كانت تُنسب إلى نتائج أبحاث مخبرية أجراها طبيبان فرنسيان خلال خمسينيات وسبعينيات القرن الماضي. غير أن تقارير تلك الأبحاث لا تبدو متاحة بصورة كافية في المصادر العلمية الحديثة التي أمكن التحقق منها، ولذلك يصعب التعامل معها اليوم باعتبارها دليلًا طبيًا نهائيًا.
بل إن مصادر صحفية أخرى أشارت صراحة إلى غياب دراسات حديثة ومتخصصة كافية تثبت هذه الاستخدامات العلاجية.
وهنا تكمن إحدى أكبر المفارقات في قصة العين الحمراء: شهرة علاجية واسعة، مقابل حاجة ملحة إلى إعادة التحقق العلمي والطبي من طبيعة هذه المياه ومجالات استعمالها.
الحديد.. سر اللون الأحمر
لا يتعلق الأمر، إذن، بلون عابر.
فوجود الحديد بتركيز مهم في المياه يفسر جانبًا من الخصائص البصرية التي جعلت العين تحمل اسمها الحالي.
لكن وجود معدن معين في مياه معدنية لا يعني تلقائيًا أن شرب تلك المياه يعالج مرضًا بعينه.
وهذا أمر مهم خصوصًا بالنسبة إلى الأشخاص الذين يقصدون العين بحثًا عن علاج لأمراض مزمنة أو خطيرة.
فالماء المعدني يمكن أن تكون له خصائص كيميائية مميزة، لكن إثبات فائدته العلاجية لمرض محدد يحتاج إلى دراسات طبية سريرية، وتحديد الجرعات، وموانع الاستعمال، والفئات التي يمكنها الاستفادة منه.
ومن هنا تأتي الحاجة إلى إخراج العين الحمراء من دائرة “الوصفات الشعبية” إلى فضاء السياحة الاستشفائية المبنية على البحث العلمي.
شهادات الزوار.. حين تتحول التجربة الشخصية إلى قناعة
رغم غياب الأدلة السريرية الحديثة الكافية، فإن شهادات الزوار تظل جزءًا أساسيًا من قصة العين.
هناك من يقول إنه جاء بسبب مشاكل في المعدة، وهناك من يقصد المياه بسبب آلام المفاصل أو الروماتيزم، وآخرون يربطونها بأمراض جلدية أو تنفسية.
وتتحدث مصادر صحفية قديمة عن حالات فردية قال أصحابها إنهم استفادوا من الاستحمام أو شرب مياه العين، من بينها شهادات مرتبطة باضطرابات هضمية. كما أوردت تلك المصادر شهادة لمسؤول صحي محلي حول حالة فردية ادعى صاحبها تحسنًا بعد الاستفادة من مياه العين لفترة طويلة.
لكن هذه الحالات، مهما كانت مثيرة للاهتمام، تظل شهادات فردية لا يمكن تعميمها طبيًا.
ولهذا، فإن تطوير العين كوجهة استشفائية حقيقية يتطلب إنجاز دراسات حديثة ومستقلة تحدد بدقة خصائص المياه، وفوائدها المحتملة، ومخاطرها، والأمراض التي يمكن أن تدخل ضمن العلاج بالمياه المعدنية، وتلك التي لا يجوز معها استعمالها.
من “عين الرحمة” إلى “العين الحمراء”
للمكان أيضًا ذاكرة تاريخية.
فقد ارتبطت العين باسم “عين الرحمة”، وتذكر مصادر محلية أن هذه التسمية جاءت عقب زيارة الملك محمد الخامس للمنطقة في 14 يوليوز 1956، بينما ظل اسم “العين الحمراء” هو الاسم المتداول للمركز والمنبع.
وبمرور الوقت، لم تعد العين مجرد منبع مائي في منطقة جبلية، بل ساهم توافد الزوار في نشوء تجمع سكاني حولها، وتطورت أنشطة اقتصادية مرتبطة بالإيواء والكراء والنقل والتجارة والخدمات.
وهكذا أصبحت المياه جزءًا من اقتصاد محلي صغير، حتى وإن ظل هذا الاقتصاد بعيدًا عن الإمكانات الحقيقية التي يمكن أن يوفرها موقع استشفائي وسياحي منظم.
آلاف الزوار.. ومرافق محدودة
المفارقة التي تثير انتباه الزائر هي أن شهرة العين تبدو أكبر بكثير من مستوى التجهيزات الموجودة بها.
فالمكان يستقبل زوارًا من مناطق مختلفة، خصوصًا خلال فترات الربيع والصيف، فيما تشير مصادر محلية إلى أرقام مرتفعة من الباحثين عن الاستشفاء. وقد تحدثت معطيات منشورة سابقًا عن آلاف الزوار خلال موسمي الصيف والربيع، وإن كانت الأرقام تختلف بشكل كبير من مصدر إلى آخر.
ومع ذلك، لا يزال جزء من عملية الاستحمام يتم في ظروف بدائية، فيما يشتكي بعض الزوار من ضعف شروط النظافة، ومن تحول أجزاء من مجرى الوادي إلى مياه راكدة.
وهنا يظهر السؤال الأكثر إلحاحًا:
كيف يمكن الحديث عن السياحة الاستشفائية في مكان يقصده الناس للعلاج، بينما تظل شروط النظافة والتجهيز والاستقبال بحاجة إلى تدخل؟
طريق محفوف بالمطبات نحو “الكنز”
ولا تتوقف المشاكل عند حدود العين.
فالوصول إلى الموقع نفسه ظل موضوع انتقادات متكررة، خصوصًا بسبب وضعية بعض المقاطع الطرقية المؤدية إليه.
وفي تقرير نشر في أبريل 2026، وصفت وسيلة إعلامية محلية وضعية المقطع الرابط بين الطريق الإقليمية رقم 510 وأجدير بالمتدهورة، مشيرة إلى أن جزءًا منه تحول إلى حفر وأخاديد تعيق حركة السيارات وتؤثر في النشاط السياحي والاقتصادي.
وهذا المعطى يختصر جزءًا كبيرًا من معادلة التنمية في المنطقة.
فلا يمكن أن نطلب من المستثمرين إنشاء مرافق سياحية واستشفائية، ومن الزوار قطع مسافات طويلة، ثم نترك الطريق المؤدية إلى المورد السياحي في وضعية غير ملائمة.
مشروع بـ43 مليون درهم.. أين وصل؟
المفارقة أن العين الحمراء ليست منطقة اكتُشفت مؤهلاتها السياحية اليوم.
فقد أعدت الوكالة الحضرية لتازة-تاونات دراسة لتأهيل منبع العين الحمراء، واقترحت 22 مشروعًا تنمويًا في المجالات السياحية والبيئية والاجتماعية وغيرها، بكلفة إجمالية قدرت بحوالي 43.065 مليون درهم.
وفي سنة 2022، صودق كذلك على اتفاقية لإنجاز تصميم تهيئة مركز عين الحمراء، بتكلفة إجمالية بلغت 200 ألف درهم، ساهمت جماعة أجدير فيها بمبلغ 100 ألف درهم.
وهذه المعطيات تؤكد أن الإشكال لم يعد مرتبطًا فقط بغياب الدراسات والتصورات.
السؤال الحقيقي هو: متى تنتقل المشاريع من الوثائق والدراسات إلى الورش الميداني؟
عين الشفا.. مورد ثانٍ يمكن أن يصنع الفرق
ولا تقف المؤهلات الاستشفائية عند العين الحمراء.
فعلى مقربة منها، يوجد مركز أجدير الذي يحتضن حامة أخرى تعرف باسم عين الشفا، وترتبط، وفق مصادر محلية، باستخدام مياهها في علاج بعض الأمراض الجلدية.
كما عرفت المنطقة وجود مركب سياحي علاجي يضم غرفًا ومسبحين مغطّيين، أحدهما للرجال والآخر للنساء، بما يؤكد أن المنطقة تمتلك بالفعل نواة يمكن البناء عليها لتطوير منتج سياحي استشفائي متكامل.
وبدل التعامل مع العين الحمراء وعين الشفا كموقعين منفصلين، يمكن أن تتحولا إلى محور سياحي واحد يربط الاستشفاء بالطبيعة والجبال والثقافة المحلية والتراث التاريخي.
من “العلاج الشعبي” إلى السياحة الاستشفائية
الفرصة تبدو اليوم أكبر من أي وقت مضى.
فالسياحة الاستشفائية لم تعد تعني فقط زيارة حمام معدني والاستحمام في مائه.
إنها منظومة كاملة تبدأ من جودة المياه، وتمر عبر البحث الطبي، وتصل إلى الإيواء والمطاعم والنقل والمسارات الطبيعية والأنشطة الرياضية والثقافية.
ومن هذه الزاوية، تمتلك العين الحمراء عناصر مهمة:
مياه معدنية ذات تركيبة لافتة، طبيعة جبلية، ذاكرة تاريخية، موقع قريب من أكنول، شهرة متوارثة، زوار فعليون، ووجود حامة أخرى قريبة هي عين الشفا.
وما ينقصها هو الاستثمار المنظم.
ماذا تحتاج العين الحمراء؟
إن تحويل هذا الموقع إلى وجهة استشفائية وسياحية ناجحة لا يحتاج بالضرورة إلى مشاريع ضخمة تبتلع الطبيعة.
بل يمكن أن يبدأ بخطوات عملية:
أولًا: إجراء تحاليل دورية ودقيقة للمياه ونشر نتائجها للعموم.
ثانيًا: إخضاع الخصائص العلاجية المزعومة لدراسات طبية حديثة ومستقلة.
ثالثًا: تنظيم أماكن الاستحمام والشرب وفق شروط صحية واضحة.
رابعًا: معالجة مشكل المياه الراكدة والنفايات ومجرى الوادي.
خامسًا: إصلاح الطريق المؤدية إلى الموقع.
سادسًا: إحداث مرافق استقبال، ومواقف للسيارات، ودورات مياه، ومراكز للمعلومات والإرشاد.
سابعًا: تشجيع الاستثمار في الإيواء القروي والمطاعم والمنتجات المحلية.
ثامنًا: إنشاء مسارات جبلية وسياحية تربط العين بالمواقع الطبيعية والتاريخية المجاورة.
تاسعًا: إشراك أبناء المنطقة في الاستثمارات الجديدة حتى تتحول السياحة إلى مصدر دخل وفرص شغل محلية.
تنبيه ضروري للباحثين عن العلاج
ومع كل ما سبق، يبقى من الضروري توجيه رسالة واضحة إلى زوار العين:
لا ينبغي اعتبار مياه العين الحمراء علاجًا مثبتًا لأي مرض لمجرد وجود روايات أو شهادات شخصية حول فعاليتها.
فالأمراض التنفسية، والكبدية، والهضمية، والروماتيزم، وأمراض المفاصل والجلد وغيرها تحتاج إلى تشخيص طبي، وقد يكون استعمال مياه معدنية معينة مناسبًا لبعض الأشخاص وغير مناسب لآخرين.
كما أن غنى الماء بالحديد لا يعني تلقائيًا أنه علاج لفقر الدم، إذ إن علاج نقص الحديد يعتمد على تشخيص سببه وتحديد الحاجة إلى الحديد بالطريقة والجرعة المناسبتين.
أما الحديث المتداول عن منع بعض المرضى، ومنهم المصابون بالسل، من استعمال مياه العين، فهو ادعاء طبي يحتاج بدوره إلى تقييم من مختصين ولا ينبغي أن يكون أساسًا لقرار علاجي دون استشارة الطبيب.
عينٌ تنتظر من يستثمر في قصتها
في نهاية المطاف، تكشف العين الحمراء عن مفارقة مغربية مألوفة:
ثروة طبيعية حقيقية، وشهرة شعبية واسعة، وزوار مستعدون للسفر إليها، ودراسات ومشاريع تأهيلية أُنجزت أو اقترحت، لكن الاستثمار الفعلي لا يزال دون مستوى الإمكانات.
فالماء موجود.
والجبل موجود.
والزائر موجود.
والطلب موجود.
بل إن الدراسات التخطيطية الرسمية سبق أن اقترحت مشاريع لتأهيل الموقع بملايين الدراهم.
ما ينقص هو أن تتضافر جهود الجماعة والإقليم والجهة والقطاعات الحكومية والمستثمرين والباحثين لتحويل هذا المورد من منبع يستقبل الزوار في ظروف محدودة إلى وجهة استشفائية وسياحية منظمة ومستدامة.
وعندها فقط يمكن أن تتحول “العين الحمراء” من مجرد اسم يعرفه الباحثون عن مياهها إلى علامة سياحية يعرفها المغاربة بوصفها واحدة من أبرز الحامات الطبيعية في جبال الريف.
فالعين الحمراء لا ينقصها الماء.. وإنما ينقصها الاستثمار في الماء، والعلم من أجل فهمه، والبنية التحتية من أجل استقبال زواره، والرؤية من أجل تحويله إلى رافعة حقيقية لتنمية أجدير وإقليم تازة.




