يبدو أن سياسة “الانفتاح” التي انتهجها حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية مع بداية الألفية الثالثة، والتي قُدمت آنذاك باعتبارها خياراً لتوسيع القاعدة التنظيمية والانخراط في التحولات السياسية الجديدة، تحولت مع مرور السنوات إلى مصدر جدل واسع داخل صفوف عدد من مناضليه التاريخيين، الذين اعتبروا أن تلك المقاربة أفقدت الحزب جزءاً كبيراً من هويته النضالية والفكرية التي تأسس عليها على يد رموز الحركة الاتحادية أمثال المهدي بن بركة والفقيه البصري وعمر بنجلون.
فالحزب الذي ارتبط لعقود بخطاب اليسار الديمقراطي والدفاع عن قضايا التحرر والعدالة الاجتماعية، وجد نفسه، بحسب منتقدين، يسير تدريجياً نحو التحول إلى حزب “عادي” لا يختلف كثيراً عن باقي التنظيمات السياسية التي يغلب عليها منطق الاستقطاب الانتخابي أكثر من الالتزام الفكري والإيديولوجي.
وفي هذا السياق، تتصاعد بإقليم تازة أصوات اتحادية تنتقد ما تصفه باستمرار نفس النهج، من خلال استقطاب أسماء ووجوه لا تربطها، وفق تعبيرهم، أي علاقة فعلية بتاريخ الحزب أو مرجعيته الفكرية، في وقت يُرتقب أن تخوض هذه الأسماء الاستحقاقات التشريعية المقبلة تحت يافطة الاتحاد الاشتراكي.
ويرى عدد من المتتبعين للشأن الحزبي أن الإشكال لا يرتبط فقط بتجديد النخب أو فتح الباب أمام كفاءات جديدة، بل بمدى انسجام الوافدين الجدد مع المشروع الفكري والسياسي للحزب، ومدى استيعابهم لتاريخ طويل من النضال والتضحيات التي شكلت هوية الاتحاد الاشتراكي لعقود.
فحين تُرفع شعارات من قبيل: “اتحادي اتحادي… حزب ثورة على الأعادي”، يتساءل كثيرون عما إذا كان بعض المنتسبين الجدد يدركون فعلاً الخلفيات التاريخية والسياسية لهذه الشعارات، أو يعرفون السياقات التي وُلدت فيها. كما أن ترديد شعار “مجرمون مجرمون… قتلة بنجلون” يطرح، بالنسبة لمنتقدي هذا التوجه، سؤال الوعي بتاريخ الحزب وذاكرته النضالية، وبالرموز التي صنعت مساره السياسي في فترات اتسمت بالصراع والتضييق السياسي.
ويعتبر فاعلون سياسيون أن ما يعيشه الحزب اليوم يعكس أزمة أعمق تتعلق بتراجع التأطير الفكري داخل الأحزاب المغربية عموماً، حيث أصبحت الحسابات الانتخابية والرهانات العددية تتقدم على البناء الإيديولوجي والتكوين السياسي، الأمر الذي أدى إلى إضعاف الروابط بين التنظيمات السياسية وتاريخها النضالي.
وبين من يرى في الانفتاح ضرورة لبعث نفس جديد داخل الحزب، ومن يعتبره سبباً في تمييع الهوية الاتحادية، يبقى السؤال مطروحاً حول قدرة الاتحاد الاشتراكي على استعادة توازنه بين الوفاء لمرجعيته التاريخية ومتطلبات العمل السياسي الراهن، في ظل شعور متزايد لدى جزء من مناضليه بأن الحزب أصبح يعيش أزمة هوية حقيقية تهدد ما تبقى من رصيده الرمزي والنضالي.