مساء السبت 17 أكتوبر، بدت شوارع عدة مدن فرنسية وكأنها تحمل مشهدين متجاورين. في الأول، مئات الآلاف يسيرون احتجاجًا على غلاء المعيشة وتراجع الخدمات العمومية وسوء الأوضاع في المدارس. وفي الثاني، مجموعات من مثيري العنف تحطم الواجهات وتنهب المحلات وتشعل النار في الممتلكات وتشتبك مع الشرطة. الصورة الثانية هي التي قد تطغى على الذاكرة، وهنا بالضبط تبدأ المشكلة.
قد يستغرب البعض أن يحدث هذا في بلد اشتهر بفلاسفته وجامعاته ومراكز أبحاثه. لكن هذا الاستغراب يقوم على افتراض يحتاج إلى مراجعة: أن التعليم والتقدم الاقتصادي يطفئان العنف تلقائيًا. فالواقع يبين أن الشهادة الجامعية لا تحصّن صاحبها من الانفعال، وأن المعرفة لا تضمن دائمًا حسن التصرف في لحظات الغضب. التقدم لا يُقاس بعدد الجامعات ولا بحجم الناتج الداخلي الخام وحدهما، وإنما يتجلى أيضًا في قدرة المجتمع على تدبير الخلاف دون أن يدفع بعض أفراده ثمنه.
وأكثر من يدفع الثمن في مثل هذه الأحداث هم أصحاب المحلات التجارية، ولا سيما صغار التجار. حين تُنهب صيدلية أو محل لبيع الهواتف أو مقهى، لا تقتصر الخسارة على الزجاج المكسور والسلع المسروقة؛ فقد تمتد إلى مدخرات صاحب المشروع، واستقرار أسرته، وأجور العاملين لديه. وقد نقلت يورونيوز، في تقرير نشرته يوم 18 أكتوبر، شهادة صاحب متجر قرب ساحة الجمهورية في باريس، قال إنه استثمر مدخراته كلها في مشروعه، وإنه شعر بعد تخريبه بأنه فقد كل شيء. كما أشار التقرير إلى تضرر عشرات المتاجر وإلى احتمال تأثر ظروف عمل موظفين لدى بعض الشركات المتضررة.
والمفارقة صارخة: كيف يخرج شخص دفاعًا عن قدرته الشرائية ثم يعتدي على مصدر رزق شخص آخر؟ صاحب المحل ليس بالضرورة مسؤولًا عن السياسات الحكومية، وقد يكون هو نفسه متضررًا من الغلاء وتراجع النشاط الاقتصادي. تكسير الواجهات لا يخفض الأسعار، وإحراق الممتلكات لا يوفر فرص العمل، ونهب البضائع لا يصلح المدرسة العمومية.
ومع ذلك، لا يصح أن ننشغل بالركام ونغفل أسباب الغضب. فقد ارتبطت الاحتجاجات الفرنسية بمطالب تتعلق بارتفاع تكاليف المعيشة، وظروف الدراسة، ونقص المدرسين، وجودة الخدمات العامة. وقد خرج مئات الآلاف إلى الشوارع، بينما اختلفت التقديرات بشأن حجم المشاركة بين وزارة الداخلية والجهات المنظمة؛ إذ تحدثت الأولى عن نحو 550 ألف مشارك، مقابل تقدير بلغ 800 ألف لدى المنظمين. وتؤكد هذه الأرقام، بصرف النظر عن الاختلاف بينها، اتساع التعبئة الاجتماعية.
إن التظاهر السلمي حق مشروع للتعبير عن رفض السياسات العمومية والمطالبة بتغييرها، لكن مشروعية المطلب لا تمنح مشروعية لكل وسيلة تُستخدم لتحقيقه. وإدانة العنف لا تعني الوقوف ضد المحتجين، كما أن الدفاع عن حق التظاهر لا يقتضي التساهل مع الاعتداء على الممتلكات والأشخاص.
والخطر الأكبر أن تنقلب أولويات النقاش. فبدل أن ينصب الاهتمام على أسباب غضب الناس، يصبح السؤال المركزي هو كيفية حماية المدن من التخريب. وتتراجع المطالب الاجتماعية إلى الهامش، بينما تتصدر صور النهب والمواجهات المشهد الإعلامي، بما قد يسمح بتقديم الاحتجاجات كلها باعتبارها مجرد فوضى. لذلك تقتضي القراءة المنصفة التمييز بين المشاركين في المسيرات السلمية والمجموعات التي تورطت في أعمال العنف. فمن دون هذا التمييز، قد تُحمَّل حركة احتجاجية كاملة مسؤولية أفعال ارتكبها بعض المشاركين فيها، وقد تُتخذ المطالب الاجتماعية ذريعة لتبرير اعتداءات لا علاقة لها بمشروعيتها.
هل تكفي المدرسة وحدها لصناعة مواطن مسؤول؟ لا. فالتعليم يفتح باب المعرفة، لكن السلوك المدني يحتاج أيضًا إلى أسرة تعلّم احترام الآخرين، ومؤسسات تحظى بثقة المواطنين، وعدالة يشعر الناس بأنها تطبق القواعد دون تمييز، وسياسات عمومية لا تترك فئات واسعة تشعر بأن المستقبل يضيق أمامها. فالمواطنة لا تُبنى بالمواعظ وحدها، وإنما تتشكل من خلال علاقة متبادلة بين الحقوق والواجبات، وبين ما تطلبه الدولة من مواطنيها وما توفره لهم من فرص وكرامة وخدمات.
وفي المقابل، لا يجوز الاستنتاج أن المجتمعات الأقل تقدمًا أكثر عنفًا، أو أن المجتمعات الأكثر تقدمًا أقل أخلاقية. فهذه أحكام متسرعة تتجاهل تعقيد الظاهرة. العنف متعدد الأسباب والسياقات، ولا يمكن تفسيره بمستوى التعليم أو الدخل وحدهما. وما يستحق الاهتمام هو مدى قدرة المؤسسات على احتواء التوتر، ومدى استعداد الدولة لمراجعة سياساتها حين تكشف الاحتجاجات عن اختلالات حقيقية.
أمام فرنسا، إذن، مهمتان لا تغني إحداهما عن الأخرى: استعادة الأمن وحماية الممتلكات، وفهم الأسباب التي وسّعت دائرة الاحتقان. فالإجراءات الأمنية قد تساعد على وقف أعمال الشغب، لكنها لا تعالج وحدها غلاء المعيشة ولا مشكلات التعليم. وفي المقابل، لا تبرر المطالب الاجتماعية، مهما كانت مشروعة، ترك أصحاب المحلات والعمال والمارة عرضة للعنف والفوضى. وقد أكد الرئيس إيمانويل ماكرون، في موقف نقلته رويترز يوم 18 أكتوبر، ضرورة التمييز بين المظالم المشروعة للمحتجين السلميين وأفعال من لجؤوا إلى التخريب والنهب.
ونحن نتابع ما يجري من المغرب، لا ينبغي أن نقرأه بعين المقارنة السطحية بين بلدين مختلفين، ولا بنبرة تشفٍّ لا تضيف شيئًا إلى فهمنا للواقع. الأجدى أن نستخلص منه درسًا: لا توجد دولة بلغت من التقدم ما يجعلها بمنأى عن الاحتقان، ولا مجتمع بلغ من التعليم ما يعفيه من بناء الوعي المدني. تبدأ الوقاية بالإنصات إلى المطالب قبل أن تتراكم، وبحماية حق الاحتجاج، وبترسيخ ثقافة تجعل احترام حقوق الآخرين جزءًا من ممارسة الحرية نفسها.
وليس الغريب أن تشهد فرنسا احتجاجات؛ فالاحتجاج جزء من الحياة الديمقراطية. إنما تكمن المفارقة في أن يتحول الدفاع عن الحقوق، لدى بعض من يشاركون في أعمال العنف، إلى اعتداء على حقوق الآخرين. فحين يُنهب متجر، لا يتحطم الزجاج وحده، وإنما تتضرر معه حياة أشخاص قد لا تكون لهم أي صلة بالأسباب التي أخرجت المحتجين إلى الشوارع.