
في قلب التجمعات السكنية بمناطق عدة بإقليم تازة، تتصاعد أدخنة كثيفة وروائح خانقة، ليست ناتجة عن حريق عابر، بل عن عمليات إعداد الفحم الخشبي التقليدي، المعروف محلياً بـ”الفاخر”. هذه الظاهرة، التي تستمر لساعات طويلة وأيام متواصلة، تحولت إلى كابوس يومي يهدد صحة الساكنة وسلامة البيئة، وتستدعي تدخلاً عاجلاً من السلطات المحلية ومصالح المياه والغابات.
يشتكي سكان المناطق المتضررة من انتشار الأدخنة الناتجة عن الاحتراق غير الكامل للخشب، والتي تحمل في طياتها مواد ضارة. هذه الانبعاثات تتسبب في اختناق وتهيج حاد في العينين والحلق، وتؤدي إلى السعال وضيق التنفس، خاصة لدى الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن والنساء الحوامل، بالإضافة إلى مرضى الربو والحساسية الصدرية. ويحذر الأطباء من أن التعرض المتكرر لهذه الملوثات قد يرفع بشكل كبير من احتمال الإصابة بمشاكل تنفسية مزمنة، في ظل غياب أي مراقبة أو احترام لشروط السلامة الأساسية.
لا يقتصر تأثير صناعة “الفاخر” التقليدية على الجانب الصحي فحسب، بل يمتد ليشمل البيئة، مهدداً التوازن الإيكولوجي للمنطقة. ففي كثير من الأحيان، يكون مصدر الأخشاب المستعملة غير مراقب، مما يشجع على قطع الأشجار بطرق عشوائية وغير قانونية. هذه الممارسات تساهم بشكل مباشر في تدهور الغطاء الغابوي، الذي يعتبر رئة المنطقة ودرعها الواقي ضد التصحر. كما أن قرب هذه العمليات من الحقول والمجالات الغابوية يزيد من خطر اندلاع الحرائق، خاصة خلال فترات الجفاف وارتفاع درجات الحرارة، مما يهدد بتدمير مساحات شاسعة من الثروة الغابوية.
تتزامن هذه المعاناة البيئية والصحية مع ارتفاع غير مسبوق في أسعار الفحم الخشبي “الفاخر”، خاصة مع اقتراب عيد الأضحى المبارك. فقد شهدت الأسواق المحلية ارتفاعاً صاروخياً في ثمنه مقارنة بالسنوات الماضية، مما يثقل كاهل الأسر ويزيد من معاناتها الاقتصادية، ويجعل الحصول على هذه المادة الأساسية أمراً صعباً ومكلفاً.
أمام هذا الوضع المقلق، يوجه عدد من المواطنين نداءً عاجلاً إلى السلطات المحلية ومصالح المياه والغابات للتدخل الفوري. حيث تطالب الساكنة بمراقبة صارمة لأماكن إعداد “الفاخر”، ومنع إقامتها داخل التجمعات السكنية أو بالقرب من المنازل والمدارس والمسالك التي يستعملها السكان يومياً. مؤكدين على أن حماية صحة المواطنين والحفاظ على البيئة مسؤولية مشتركة، تبدأ بتطبيق القانون ومنع كل نشاط ملوث أو خطير داخل المجال السكني.
ويشدد السكان على أن إعداد الفحم الخشبي يجب أن يتم بعيداً عن المناطق المأهولة، وفي أماكن مخصصة لذلك، مع احترام صارم لشروط السلامة والبيئة. على أن لا يتحول مصدر رزق البعض إلى مصدر معاناة يومية للساكنة، وأن يتم ضمان حق المواطنين في هواء نقي وبيئة سليمة، وهو ما يتطلب تدخلاً حازماً ومستعجلاً من الجهات المعنية.



