الجهوية

بفاس.. ندوة دولية ترسم معالم “مدرس الغد” في عصر التحولات الرقمية والبيداغوجية

فاس — 27 يونيو 2026

في مشهد تربوي يتسم بالتراكم المعرفي والتكنولوجي المتسارع، واحتضانًا للمخططات التكوينية والبحثية الرامية إلى تجويد المنظومة التعليمية، احتضن المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين لجهة فاس-مكناس، على مدى يومي 26 و27 يونيو 2026، فعاليات الندوة العلمية الدولية المتميزة حول موضوع: “مواصفات المدرس في ضوء التحولات الرقمية والبيداغوجية: رؤى وتجارب”.

وتأتي هذه الندوة تجسيدًا لشراكة استراتيجية متينة بين المركز الجهوي والمدرسة العليا للأساتذة بفاس، مدفوعة بالتزام المؤسستين الأكاديمي بترسيخ قيم التجديد والإبداع، والسعي نحو تكوين أطر تربوية واعية بأدوارها المستقبلية ومؤهلة لقيادة قاطرة التحديث التربوي.

شكلت الندوة منصة فكرية رفيعة المستوى التأمت فيها ثلة من الأساتذة الباحثين والخبراء والمتدخلين في الحقل التربوي من داخل المغرب وخارجه. وتميزت الجلسات العلمية المكثفة بنقاشات عميقة ومكاشفة صريحة، تم خلالها تشريح واقع التربية والتكوين في ظل الثورة الرقمية، واستشراف السبل الكفيلة بالتمكين المهني الشامل للمدرس.

وقد شهد اليوم الأول دينامية فكرية عالية انطلقت بمحاضرة افتتاحية أصلت للرؤية التكوينية والمنهجية لتكوين “مدرسي الغد”. وفي هذا السياق، أكد الدكتور محمد الأزمي، مدير المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين بفاس، في كلمته أن مهنة التدريس لم تعد ثابتة، بل تفرض تطورًا مستمرًا لمواكبة التحولات العالمية السريعة، مشددًا على ضرورة تطوير كفايات الأساتذة وتكييف تكوينهم مع الضرورات الحالية والمستقبلية.

من جانبه، تناول السيد مدير المدرسة العليا للأساتذة بفاس الدكتور علي احيتوف آفاق تجديد الممارسة التكوينية، مؤكدًا على أهمية الشراكة الاستراتيجية بين المدرسة العليا والمركز الجهوي والجامعة، والتي تسهم في إعداد طلبة قادرين على التوظيف السليم للكفايات المهنية، ولا سيما الرقمية منها. وتبع ذلك تنظيم ثلاث جلسات علمية شهدت تلاقحًا للأفكار حول تحديات الواقع التربوي الراهن.

أما اليوم الثاني، فقد توزعت جلساته على مسارات متنوعة ومتقاطعة، ركزت في مجملها على تطوير الكفايات المهنية عبر التكوين الأساس، والتكوين النفسي والديداكتيكي، إلى جانب إعادة هندسة الفعل التدريسي في زمن الرقمنة.

وتتويجًا لأشغال هذه الندوة الدولية وصياغة لآراء الباحثين المشاركين، انبثقت عن اللقاء جملة من التوصيات الاستراتيجية التي ترسم معالم المدرس المستقبلي، وجاءت كالتالي:

* التأكيد على أن التعليم مشروع إنساني قوامه التفاعل الوجداني، وأنه لا يمكن لأي ذكاء اصطناعي أو تقنية ناشئة تعويض العلاقة التربوية المباشرة بين المدرس والمتعلم.

* تفعيل التكنولوجيا كأداة مكملة للأساليب التربوية الأصيلة، والتصدي لمخاطر “التنميط الرقمي” عبر صون الحرية البيداغوجية للمدرس وتشجيع روح الإبداع لديه.

٠ إشراك المدرسين استباقيًا في تطوير وتقييم التقنيات التعليمية لضمان جدواها التربوية، ومنحهم الاستقلالية الكاملة في اتخاذ القرار الرقمي داخل الفصول.

* توفير برامج ودورات تكوينية مستمرة ومواكبة للمستجدات التكنولوجية، تخصص لتملك الآليات البيداغوجية والرقمية ودمج الذكاء الاصطناعي في الممارسة الديداكتيكية.

* تكوين المدرسين وتأهيلهم في مجالات الذكاء العاطفي، التفكير النقدى، حل المشكلات، والتعاون الشامل.

* وضع التربية الرقمية والإعلامية في صلب المناهج لتمكين المتعلمين من التصدي للأخبار الزائفة والمعلومات المضللة التي تضخمها الخوارزميات.

* توجيه أنظمة الذكاء الاصطناعي في التعليم نحو تعزيز مبادئ الشفافية، العدالة، المسؤولية، والإنصاف، مع تطوير تقنيات دامجة تستهدف جميع الفئات الاجتماعية.

* توسيع شبكات الشراكة بين مؤسسات تكوين الأطر العليا والجامعات، وإنشاء مراكز بحثية وتكوينية متخصصة ومندمجة تضمن استدامة الابتكار وتراعي خصوصية المجتمع المغربي.

* تنظيم ورشات عمل مكثفة للطلبة والأساتذة المتدربين حول أخلاقيات البحث العلمي وآليات الحفاظ على الأمانة والأصالة الفكرية في زمن الذكاء الاصطناعي.

وقد أجمع المشاركون على أن هذه الندوة الدولية تجسد صيحة وعي أكاديمية تؤسس لدمج فلسفة التربية الرقمية ضمن السياسات التعليمية، وبشكل يوازن بذكاء واقتدار بين مجاراة الثورة التكنولوجية العالمية والحفاظ على الهوية والقيم الإنسانية للمدرسة المغربية.

وخلص اللقاء إلى أن الدينامية الإصلاحية والتجديدية التي تشهدها المنظومة التربوية تعد بمثابة تأسيس حقيقي لترسيخ المدرسة الجديدة ومرتكزات قيادتها، وهو مطمح لن يتحقق إلا من خلال أدوار ريادية لمؤسسات التربية والتكوين كالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين لجهة فاس مكناس والمدرسة العليا للأساتذة بفاس في أفق تطوير روح علمية جديدة، وفكر تربوي مبتكر يخدم مدرسة الجودة وجودة المدرسة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى