مجتمع

رغيف ووجع على رصيف “ابن باجة”: عندما يغدو الموت أقرب من باب المستشفى

في مشهد يختزل قسوة الغياب وتواري الإنسانية خلف جدران المؤسسات، استيقظت مدينة تازة هذا الصباح على لوحة جنائزية صامتة أمام بوابة مستعجلات المستشفى الإقليمي “ابن باجة”. لم تكن اللوحة بريشة فنان، بل كانت جسداً منهكاً لرجل ممدد على الرصيف، يصارع أنفاسه الأخيرة في وضعية حرجة، بينما كانت الحياة تمر من حوله باردة لا تلتفت.

على بعد أمتار قليلة، كانت سيارات الإسعاف رابضة في أماكنها، وباب المستشفى الذي يُفترض أن يكون ملاذا للأمل مشرعا، لكن المسافة بين الرصيف وعتبة العلاج بدت أبعد من المستحيل. ساعات طوال مرت على ذلك الجسد النحيل وهو يفترش الإسمنت البارد، دون أن تمتد إليه يد مسعف أو يرق لحاله قلب عابر.

– الخبز المخذول

الأكثر إيلاما في المشهد، كانت قطعتان من الخبز ملقاتان بجانب رأسه؛ رغيفان ربما كانا كل ما يملكه، أو لعلهما كانا آخر محاولة منه للتمسك بالحياة قبل أن يغلبه الوهن. بقيت قطع الخبز شاهدة على جوع لم يسعفه أحد، وعلى كرامة إنسان ضاعت في الزحام أمام مؤسسة وجدت لخدمته.
“إنه مشهد يدمي القلب، كيف يمكن لشخص أن يظل ممدداً لساعات أمام باب المستشفى دون أن يتدخل أحد؟” يتساءل أحد المارة بنبرة ملؤها الحسرة، “الخبز بجانبه يخبرنا قصة إنسان كان يحاول العيش، لكن الإهمال كان أسرع من رغيفه”.

– مفارقة القرب والبعد

تطرح هذه الواقعة تساؤلات حارقة حول جدوى الشعارات المرفوعة عن “تجويد الخدمات الصحية” و”الحماية الاجتماعية”، حين يعجز نظام صحي عن رصد مريض يحتضر تحت نوافذه. إنها مفارقة القرب الجغرافي والبعد الإنساني؛ فالمريض لم يكن في قرية نائية أو جبل معزول، بل كان “على مرمى حجر” من أجهزة الإنعاش وأطقم التمريض.

إن مشهد الرجل الممدد في تازة ليس مجرد حادثة عابرة، بل هو صرخة صامتة في وجه البيروقراطية القاتلة، وتذكير بأن الطب قبل أن يكون مهنة أو تجهيزات، هو “أخلاق” و”استجابة” لنداء الروح التي تزهق على الرصيف.

بينما يظل مصير هذا الشخص مجهولا، تبقى صورته ممددا بجانب رغيفيه وصمة عار تلاحق كل من مر ولم يلتفت، وكل من كان بيده مفتاح الباب ولم يفتحه لإنقاذ حياة كانت تتسرب بين شقوق الرصيف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى