
عمار قشمار
في قلب التراث الغذائي المغربي، تبرز أطباق الشعير كرمز للأصالة والتغذية، ومن أبرزها “الزميتة” و”المنكبيعة” (المعروفة أيضاً بزانبو). هذه الأكلات الشعبية، التي تتوارثها الأجيال في إقليم تازة والمناطق الجبلية المحيطة، ليست مجرد وجبات، بل هي قصص حية عن ارتباط الإنسان بأرضه، وصبره، وحكمته في استغلال خيرات الطبيعة. ورغم تشابه المكون الأساسي (الشعير)، إلا أن طرق تحضيرها تختلف، لتقدم لنا نكهات وقيم غذائية متفردة، وتحكي كل طريقة منها جزءاً من ذاكرة الجبل العريقة.
الطريقة الأولى: “المنكبيعة” (الزمبو) – عبق التحميص في الفرن التقليدي
تُعرف هذه الطريقة في بعض المناطق الجبلية، وتتميز بعملية تحميص الشعير في الأفران الطينية التقليدية، مما يمنحها نكهة مدخنة وعمقاً في المذاق، وتجسد قصة صبر وعمل شاق يبدأ من حبة الشعير وينتهي بوعاء من اللبن الطازج.
مراحل الإعداد:
1. حصاد “الشواطة”: تبدأ الرحلة باختيار سنابل الشعير في مرحلة “مبلح” (ليست خضراء تماماً ولا يابسة)، وتُجمع بعناية فائقة في حزم صغيرة تسمى “الشواطة”.
2. معمودية النار (الفرنة): تُشوى “الشواطة” بسرعة فوق ألسنة اللهب في “الفرنة” (فرن طيني) لحرق “الحسك” (الزوائد الشوكية). بعد ذلك، تُقطع السيقان وتوضع الرؤوس المحمصة داخل الفرن الساخن لتجف وتُحمص ببطء ليوم كامل، مما يكسبها لوناً ذهبياً ونكهة مدخنة فريدة.
3.حجر “الرحى” وصبر النساء: تحت ظلال أشجار التين الوارفة، تبدأ مرحلة التنقية. تستخدم النسوة حجراً أملساً لفرك السنابل المحمصة داخل أطباق منسوجة من الدوم، متبعةً ذلك بعملية “النسف” لتخليص الحبوب من القشور. بعد التنقية، يأتي دور “الرحى” الحجرية التقليدية، حيث تُطحن حبات الشعير المحمصة يدوياً. هذا العمل، رغم مشقته، هو الضمان الوحيد للحصول على قوام ومذاق أصيل لا توفره المطاحن الحديثة.
4. البلبولة والدقيق: بعد الطحن، تُغربل الحبوب لفرزها إلى أنواع مختلفة: “بلبولة غليظة” (تُستخدم لتحضير الكسكس باللحم والخضروات أو كوجبة “سايكوك” الشهيرة) و”المنكبيعة” (الدقيق الناعم الناتج عن الطحن).
5. المائدة الجبلية الأصيلة: تُقدم “المنكبيعة” بخلطها مع اللبن الطازج ورشة ملح خفيفة، ليمتزج دقيق الشعير المحمص مع حموضة اللبن ليخلق وجبة صحية بامتياز، غنية بالألياف والطاقة. غالباً ما تُقدم إلى جانب “السايكوك” وطبق الكسكس بالخضر، لتكتمل لوحة المائدة الجبلية التي ترفض الاندثار أمام الوجبات السريعة.
الطريقة الثانية: “الزميتة التازية” – قوة الأعشاب وبركة التبخير
تتميز هذه الطريقة، المنتشرة في إقليم تازة، بالاعتماد على تبخير الشعير الأخضر وإضافة مزيج غني من الأعشاب المنسمة، مما يجعلها “صيدلية طبيعية” وموروثاً ثقافياً يجمع بين قبائل البرانس وغياثة والتسول والريف وبني وراين.
مراحل الإعداد:
1. طقوس الجني والتنظيف: لا تبدأ قصة الزميتة في المطاحن، بل في الحقول الخضراء قبل نضج المحصول بشكل كامل. يُختار الشعير الأخضر الغض، ويُغسل بعناية فائقة لتنقيته من الشوائب. ثم يُوضع في “الكسكاس” لتبخيره (التفوار)، وهي خطوة حيوية لطهي الحبوب جزئياً وتسهيل هضمها.
2.سحر “التشويط” والتحميص (التحليص): بعد التبخير والتجفيف، تُدخل السنابل الخضراء إلى الفرن التقليدي (الفران) لعملية “التشويط”، وهي حرق مدروس يهدف إلى إزالة “الحسك”. ثم يُنقل الشعير إلى مقلاة كبيرة أو “فراح” فوق النار، ويُحرك باستمرار حتى يتغير لونه إلى البني الذهبي وتتصاعد منه رائحة التحميص الزكية. هذه المرحلة تتطلب مهارة عالية لضمان نضج الحبة من الداخل واكتسابها اللون الذهبي البني دون احتراق.
3.الطحن والغربلة: يُطحن الشعير المحمص، عادةً لوحده أو مع خليط سري من الأعشاب المنسمة، والتي قد يصل عددها إلى أربعين عشبة في بعض الوصفات التقليدية، مثل الزعتر، الزعيترة، الفليو، اليانسون، حبة حلاوة، الكروية، والريحان. ثم يُغربل المسحوق باستخدام “الغربال” للحصول على بودرة ناعمة جداً هي بودرة “الزميتة”، مع التخلص من القشور الخشنة.
4.التقديم والخلط (طقوس الاستهلاك): يُقدم مسحوق الزميتة في طبق تقليدي، ويُضاف إليه زيت الزيتون الصافي. يمكن أيضاً إضافة القليل من الماء الساخن المملح أو العسل حسب الرغبة. تُخلط المكونات باليد حتى تتجانس وتصبح ذات قوام رملي مبلل، ثم تُشكل على شكل كويرات أو تُقدم كما هي لتؤكل مع الشاي. وتنفرد قبيلة البرانس بطريقة استهلاك استثنائية، حيث يتم شق ثمار التين (الكرموس) إلى نصفين، ثم تُغمر في دقيق الزميتة لتؤكل في مزيج ساحر بين حلاوة التين ونكهة الشعير المدخنة.
تراث غذائي حي
سواء كانت “المنكبيعة” بنكهتها المدخنة من الفرن الطيني، أو “الزميتة” بعبق أعشابها المتنوعة، فإن كلتا الطريقتين تمثلان جزءاً لا يتجزأ من الهوية الثقافية والغذائية للمناطق الجبلية في إقليم تازة. إنهما ليستا مجرد أطباق، بل هما احتفاء بالحياة البسيطة، وبحكمة الأجداد في تحويل خيرات الأرض إلى غذاء يغذي الجسد والروح، ويحكي قصة تراث لا يزال حياً يُروى من خلال كل حبة شعير وكل قطرة زيت زيتون. هذا التنوع في طرق التحضير يثري المائدة المغربية ويؤكد على غنى الموروث الثقافي الذي يستحق الحفاظ عليه وتوريثه للأجيال القادمة. إنها “مرمز” الريف و”زانبو” الجبال، وهي اللغة المشتركة التي يتحدثها أهل تازة في مواسم الحصاد وفي جلسات الشاي العائلية، مؤكدين من خلالها أن الأصالة تبدأ من حبة شعير خضراء، وتمر عبر نار الفرن التقليدي، لتستقر في وجدان الذاكرة الشعبية التازية.




