الثقافية
التراث اللامادي رافعة للتنمية المحلية: ندوة علمية كبرى بتازة تفتح نقاشاً حول سبل التثمين والاستدامة

آسية عكور -محمد علام
في سياق الاهتمام المتزايد بالتراث اللامادي ودوره في تحقيق التنمية المستدامة، احتضنت مدينة تازة، يوم السبت 25 أبريل 2026، ندوة علمية كبرى نظمها منتدى أجيال للثقافة والتنمية تحت عنوان: “التراث اللامادي رافعة مستدامة للتنمية المحلية”، وذلك بالموازاة مع فعاليات الملتقى الأول للتراث وفن الفرجة.
وشكلت هذه الندوة فضاءً علمياً وأكاديمياً لتبادل الرؤى بين ثلة من الباحثين والفاعلين الثقافيين، حيث تم تسليط الضوء على أهمية الموروث الثقافي غير المادي باعتباره ركيزة أساسية للحفاظ على الهوية وتعزيز الدينامية الاقتصادية والاجتماعية على المستوى المحلي، إلى جانب بحث سبل تثمينه واستثماره بشكل مستدام.
تازة بين عمق التاريخ ورهانات التثمين
وفي مداخلة وازنة، أبرزت فاطمة سرار الغنى التاريخي والتراثي الذي تزخر به مدينة تازة، معتبرة إياها فضاءً حضارياً ممتداً من العهد الموحدي إلى الدولة العلوية وصولاً إلى المرحلة المعاصرة، ما يمنحها مكانة متميزة في المشهد الثقافي الوطني. وأكدت أن التراث المحلي، بشقيه المادي واللامادي، يشكل هوية متكاملة لا يمكن فصل عناصرها.
ودعت المتدخلة إلى ضرورة تثمين مكونات تراثية محلية، من قبيل تقاليد الحصاد و”الزربية الوراينية”، مع الترافع من أجل تصنيفها ضمن التراث الوطني، تمهيداً للاعتراف بها دولياً، مشددة في الآن ذاته على أهمية انخراط الفاعلين السياسيين والمدنيين في جهود حماية هذا الإرث. كما نبهت إلى ضرورة تعزيز دور الجمعيات في تقديم مقترحات عملية للجماعات الترابية، والعمل على صيانة المواقع الأثرية وربطها بالفلكلور المحلي، بما يدعم الجاذبية السياحية للمدينة.
بين القانون وضعف التنزيل
من جهته، أثار الدكتور يوسف العزوزي إشكالية حماية التراث اللامادي من زاوية قانونية، متسائلاً عن مدى قدرة النصوص القانونية على صون تراث لم يعد يُمارس. وأكد أن الإشكال لا يكمن في غياب القوانين، بل في ضعف تنزيلها على أرض الواقع، مشيراً إلى أن هذا الخلل ساهم في طمس عدد من المعالم التاريخية رغم تصنيف تازة ضمن التراث الوطني منذ سنة 2015.
ودعا العزوزي إلى تجاوز المقاربة الظرفية نحو اعتماد رؤية استراتيجية قائمة على “تدبير التراث” بدل الاكتفاء بـ”تفعيله”، مع ضرورة تحقيق التنسيق بين مختلف المتدخلين واعتماد تدبير ترابي مندمج يضمن النجاعة والاستدامة. كما شدد على أهمية إعادة إحياء التراث اللامادي داخل المجتمع لضمان استمراريته ونقله بين الأجيال.
وفاء لذاكرة فن الفرجة
وفي لحظة إنسانية مؤثرة، استحضر الباحث محمد هرنان سيرة الراحل بوجمعة الحداد، أحد أبرز رموز فن الفرجة بمدينة تازة، مبرزاً إسهاماته الغنية في إثراء الذاكرة الشفوية المحلية من خلال “الزرعات” التي تجاوز عددها، حسب تقديره، 70 ألف قطعة فنية.
وأكد هرنان أن الراحل شكّل نموذجاً للفنان الشعبي الذي ارتبط وجدانياً بالمجتمع، حيث ظل حاضراً في مختلف المناسبات الاجتماعية، داعياً إلى توثيق هذا الإرث الفني وحفظه من الضياع، لما يحمله من دلالات ثقافية واجتماعية عميقة.
فنون الفرجة ببني وراين… ذاكرة وهوية
بدوره، سلط الدكتور عبد الواحد بوبرية الضوء على فنون الفرجة بقبائل بني وراين، معتبراً إياها مكوناً أساسياً من مكونات التراث اللامادي بالمنطقة. وأبرز أن هذه الفنون لا تقتصر على الترفيه، بل تؤدي وظائف ثقافية واجتماعية، من بينها نقل القيم والتقاليد وتعزيز الانتماء الجماعي.
وأشار إلى التحديات التي تواجه هذا التراث، خاصة ضعف التوثيق وتراجع الممارسة لدى الأجيال الصاعدة، داعياً إلى اعتماد مقاربة شمولية تقوم على دعم البحث العلمي وتشجيع الممارسين وإدماج هذه الفنون في السياسات الثقافية المحلية.
انتقادات لغياب المؤسسات ودعوات لتدخل مسؤول
وفي مداخلة أثارت تفاعلاً داخل القاعة، توقف الدكتور عبد الحق عيودة عند ما اعتبره غياباً لافتاً للمؤسسات الرسمية عن هذه الندوة العلمية، مشدداً على أن حضورها كان من شأنه الإسهام في الاستماع المباشر لغنى التراث اللامادي الذي تزخر به مدينة تازة، خاصة في ما يتعلق بفنون الفرجة. وأبرز أن هذا الغياب يطرح تساؤلات حول مدى انخراط هذه المؤسسات في بلورة سياسات عمومية فعالة للنهوض بهذا التراث وصيانته.
ودعا عيودة إلى ضرورة إرساء جسور التواصل بين الباحثين والفاعلين الميدانيين من جهة، والمؤسسات الرسمية من جهة أخرى، بما يتيح ترجمة النقاشات العلمية إلى برامج ومشاريع ملموسة تضمن استدامة هذا الموروث الثقافي.
وفي السياق ذاته، عبّر الأستاذ وقيدوم المخرجين سي محمد بلهيسي عن أسفه لما يطال عدداً من المآثر والمكونات التراثية بالمدينة من تهميش وإهمال، معتبراً أن هذا التراث يتعرض لـ”حيف” واضح من قبل بعض المسؤولين. ووقف عند نماذج من هذا التراث الذي يحتاج إلى التفاتة حقيقية من الجهات المعنية، داعياً إلى تحمّل المسؤولية الجماعية في حمايته وإعادة الاعتبار له.
وتندرج هذه الندوة ضمن دينامية ثقافية تسعى إلى إعادة الاعتبار للتراث اللامادي بمدينة تازة، وربطه بأوراش التنمية المحلية، من خلال بلورة تصورات عملية لتثمينه وصيانته. كما تعكس هذه المبادرة وعياً متزايداً بأهمية الاستثمار في الرأسمال الثقافي كمدخل لتحقيق تنمية مستدامة وشاملة، وتعزيز مكانة تازة كوجهة ثقافية وسياحية واعدة.



