إعداد عزيز توزاني
عن مؤلف في تاريخ تازة لمؤلفه محمد العلوي الباهي
الأمين المحتسب، المشرف على تنفيذ الأشغال والمشروعات الكبرى. أحد رجالات الدولة الموحدية. صاحب تقييد الأنفاق.
أبو داود يلول ابن جلداسن الممثل الخصوصي لامير المؤمنين الخليفة يوسف بن عبد المؤمن الموحدي، المشرف على الأعمال بأمره، وخليفته أحيانا بأشبيلية وهو الأمين والمحاسب والمقتصد والمنفذ والمشرف على الأشغال الكبرى في الدولة.
شخصية تازية بارزة في مجال التدبير والإنفاق على عهد الموحدين. لم تشهرها المصادر التاريخية التي بين أيدينا إلا مع أيام الخليفة يوسف بن عبد المؤمن وبالخصوص فقد اقترن ذكرها بإنجاز المشروعات الكبرى لهذا الخليفة.
وذكرت كذلك مقترنة باسم المهندس أحمد بن باسة كبير العرفاء بالمغرب والأندلس في القرن السادس الهجري الثاني
عشر الميلادي.
وينفرد ابن صاحب الصلاة بذكر أعمال ابن جلداسن ومهامه الجسام والتي تعتبر وبحق ذات أهميَّة بالغة في إظهار دور نهضة المغاربة بالأندلس، إذ تجتمع في مهامه على أيامنا هذه عدة مناصب استقطبتها الوزارات كالمالية والأشغال العمومية والتجهيز والفلاحة وغيرها.
عاش طول حياته (سواء في تازة أو في إشبيلية) مابين ديوان الضبط والتقييد بدار المخزن وبين أوراش العمل التي كان يقف عليها بنفسه ويراقب سيرها، وقد بدأ مباشرة ذلك برباط تازة لما أمر الخليفة عبد المؤمن بن علي؛ تمدينه سنة
527ه، كأول عمل عمراني للدولة الموحدية، وابن جلداسن إذ ذاك في عقده الثالث قرين الكثيرين الذين اختار هم الخليفة عبد المؤمن وهم أصدقاء الحي ورفقاء الدراسة بتازة ليعملوا في المهام التي تصلح لهم في الدولة وفق ملكتهم الخاصة، وابتكاراتهم والتوجه الذي يلائمهم.
وقد كلف ابن جلداسن وهو برباط تازة بكثير من الأمور السياسية والعمرانية وغيرها لم يكشف لنا التاريخ عنها بعد، ولم نعرف منها إلا ما خلده الدهر بناء وصرحا حضاريا شامخا كانت بدايته بالمغرب وتَتِمَّته بالأندلس. من الجامع الكبير وصومعته في تازة، إلى الجامع الكبير في إشبيلية وصومعته الشهيرة الخالدة (لخير الدا).
نعرف الكثير عمَّا بناه الموحدون برباط تازة العليا.
وخاصة بالجهة التحتية. فمن الجامع الكبير؛ وأحياء الموحدين حوله. إلى أسوار المدينة المزدوجة وما أضافوه لها من معسكرات لتداريب الجنود، ومصانع الدخيرة. إلى بناء أنفاق جَرْي الميَّاه تحت الأرض بالأجور في هيئة السراديب المُقوَّسة السقف على شكلين مختلفتين: أي شبكتين: الأولى وتسمى (اليوم) تُوَزَّع الماء العذب المجلوب من الجبال في قنوات، تنطلق من الجنوب إلى الشمال الغربي لا زالت معروفة بكاملها تحت الأرض. والثانية لصرف المياه (المضافة) المنحدرة في نفس الإنسياق؛ موازية للأولى ومنفصلة عنها عُمقا واثجاها.
ثم الدور والقصور والجنان. (رياضات) و(بْحاير) [مفرد:
ابْحيرَة]، (ومن لم يشمله الربط بقنوات السَّرْب؛ بقى على اللنظر عا يكون تعطل لدي لكرى المح الف يومي
وهكذا نجد ابن جلداسن إلى جانب تكوينه الفكري ودراسته
استغلال المطمورة).
خبيرا في أمور
الحضاري الواسع؛ حتى إذا احتاج إليه الخليفة عبد المؤمن مثل
الى زملائه من أهل البلد أمثال الشاعر محمد بن حبوس، والأديب القاضي عيسى بن عمران، والقائد أزناك،
. استدعاه ليتولى عدة مهام بحاضرة الأندلس اشبيلية.
فقد جاء في كتاب “تاريخ المن بالإمامة” لمولعه ابن صاحب الصلاة: أن “داود يلول بن جلداسن” هذا كان على شغل الموحدين (الشؤون السياسية) باشبيلية وكان على شعل المخزن بها محمد الإيلاني، فكانا يجتمعان كل غدوة على المصالح ثم يفترقان على النصائح، وقد داما على ذلك زمن تولية أبي يعقوب يوسف الموحدي على اشبيلية إلى ان استدعى هذا الأخير إلى المغرب لتولي منصب الخلافة بعد وفاة والده عبد المؤمن عام 558ه
عندها أبقى الخليفة الموحدي الجديد يوسف بن عبد المؤمن خبيره أبا داود باشبيلية (على نظرة في الأشغال وأضاف إليه النظر في الإسهام). ونتتبع الأحداث فنجد أبا داود يلول هذا قد خرج على رأس أهل اشبيلية يتقدم أشياخها وحفاظها وأجنادها، لاستقبال مبعوث الخليفة يوسف بن عبد المؤمن وهو الشيخ الحافظ أبو عبد اللّه ابن الشيخ أبي إبراهيم؛ كوال جديد على اشبيلية ينظر في عسكرها وأمنها، وكان ذلك يوم الجمعة بعد صلاة الظهر الحادي والعشرين من جمادى الأولى من سنة
561ه (25 مارس 1166م).
وفي سنة 566ه، نجد الخليفة أبا يعقوب يوسف يجتاز البحر مع خاصته ويدخل اشبيلية يوم الجمعة الثاني عشر من شوال، وفي مراسيم خاصة يُنصّب أبا داود ابن جلداسن على
ويخبرنا ابن صاحب الصلاة ببعض أحداث السنة الموالية
أعمال اشبيلية.
567ه. فيذكر بحدث قدوم الخليفة أمير المؤمنين من قرطبة ونزوله باشبيلية ليتفقد مصالحها. وهنا نخص بالذكر تشيد (البحيرة) من طرف المهندس “ابن باسة” تحت إشراف اين جلداسن أمين أمير المؤمنين، حسب ما جاء في كتاب: المن
“فغرست البحيرة على نسق؛ عام بعد عام علي خير بالإمامة:
وإنعام، وكان أمير المؤمنين بن أمير المؤمنين، يخرج من قصره باشبيلية راكبا مع الموحدين أعزهم اللّٰه للتطلع على الخدمة فيها وغرسها، وللتائس برؤية ذلك من أنسها، وتفرد العريف أحمد باسة عريف البنائين بالأندلس في ابتناء القصور المذكورة من البحيرة حتى كمُلت فجاءت من الحسن يحار فيها الوصف ويشغل بها الفرض الطرف! وواصل بالبناء حواليها بالحيطان المبنية بالجيار والرمل والحصى من جهاتها، وجميع جنباتها، وكان الملتزم للحفر في غرس البحيرة المذكورة الشيخ أبو داود يلول بن جلداسن مشرف اشبيلية وأعمالها وأمين أمير المؤمنين وتحت نظره وعمله تقييد الأنفاق في الأغراس والبناء بالشهادة على ذلك في كل يوم، ودواب أمير المؤمنين بن أمير المؤمنين وعبيده ينقلون عليها الأحجار والأجر والجيار، والثمار والأشجار”.
وعلى هذا النسق كانت الاشغال الكبرى بإشبيلية تنجز بأمانة وإتقان تحت إشراف ابن جلداسن، وعلى نمط ما نفذ في رباط تازة نجد عملية بناء قنوات المياه تتم أيضا باشبيلية في وقت كانت أوروبا المسيحية لا تعرف لمثل هذا التخطيط معنى، وفي ذلك يقول عبد الملك ابن صاحب الصلاة:
“وكانت سرب المدينة تشقُّ بجريها تحت الأرض على موضوعات اختطاط الجامع فنكبت عنه، واخرجت بطريقها منه وصرفت إلى جهة الجوف منه على أوسع مجرى ووائق مسرى على سرب واسع وعمل بأعداد من الرجال على أوثق البناء تحت الأرض جار إلى الوادي تحت الأرض قاطع”.
ففي هذه السنة كذلك (567ه) ابتداء من شهر رمضان أمر الخليفة يوسف باختطاط موضع الجامع الكبير باشبيلية تحت إذن ومراقبة المشرف العام على الأعمال العمرانية، يلول بن جلداسن، بمشاركة شيخ العرفاء أحمد باسة وجميع عرفاء أهل الأندلس، ومعهم عرفاء البنانين المشهورين في المدن المغربية
كمر اكش وفاس وتازة.
وتكون لتازة مفخرة تُذكر لها أبدا الدهر. إن أحد أبنائها وهو ابن جلداسن وكما ذكر ابن صاحب الصلاة في كتابه المن بالإمامة: “فقد كان صاحب تقييد الأنفاق في بناء الجامع الشهير بإشبيلية، وهو الممثل الخصوصي لأمير المؤمنين والمشرف على الأعمال في بناء هذه المفخرة العربية التي لا زال شعاعها الحضاري الإسلامي العربي المغربي يشع على أوروبا من الأندلس، ويُذكر في العالم أجمع”.
ولما تم البناء قال ابن صاحب الصلاة: “حان انصراف أمير المؤمنين إلى الحاضرة مراكش في 14 من شهر شعبان
571ه فأمر بتسريح العرفاء والبنائين والصباغ إلى مواطنهم، فكانت المدة في بنائه ثلاث أعوام وأحد عشر قمريا””.
بعد تسع سنوات من تاريخ بناء هذا المسجد وصل الخليفة يوسف إلى اشبيلية في طريقه إلى غزوة شنترين، وباشبيلية أمر عامله أبا داود يلول بن جلداسن أن يقوم خلال غيابه في الغزوة المذكورة ببناء عدة صروح حضارية منها الشروع في بناء صومعة الجامع الكبير باشبيلية (لخير الدة). وفي هذا يقول ابن صاحب الصلاة: “أمر ببنائها (الصومعة) أمير المؤمنين أبو يعقوب بن أمير المؤمنين رضي اللّٰه عنه عند وصوله إلى اشبيلية في غزوته إلى شنترين في ثالث عشر من صفر عام ثمانين وخمسمائة (26 ماي 184[م) ونزل خارج اشبيلية في البحيرة بمجتر ميْلين، فعندما تحرك من اشبيلية إلى الغزو المذكور أمر عامله أبا داود يلول ابن جلداسن أن يشتغل مدة مغيبه في الغزوة ببناء سور حصين على قصبة اشبيلية يَمُرٌّ من ميدا بنائه أمام رحبة ابن خلدون داخل اشبيلية وببناء صومعة للجامع تكون في اتصال السور مع الجامع المذكور ، وبناء ذار الصنعة للقطائع تتصل من سور القصبة التي على الوادي يباب القطائع إلى الرّجل السفلى المتصلة بباب الكحل، فابتدأ أبو داود بهدم الديار وحفر أساس السور أمام الرحبة المذكورة فلم تدم الحال إلا نحو شهر ونصف وتوفي أبو داود، ثم توفي إثر ذلك
الخليفة أمير المؤمنين ابن أمير المؤمنين في الغزوة المذكورة.
على حسب ما شرحه رضي اللّٰه عنه”.
باغتت المنية ابن جلداسن وهو يباشر عمليات التشييد والبناء. كانت وفاته خسارة كبيرة للدولة الموحدية لم تنسها بل زادتها لوعة حادثة موت الخليفة يوسف بن عبد المؤمن إثر معارك الجهاد (10 ربيع الاخر 580ه/21 يوليوز 1184م).
وقد توفي ابن جلداسن قبله ببضعة أيام (مطلع ربيع الآخر
580ه/ يوليوز 1184م) بعد أن بدأ بناء صومعة اشبيلية بشهر ونصف (المنتصف الأخير من صفر – مطلع ماي)، وكان عمره يقترب من ثمانين سنة.
يرجع نسب المترجم له أبو داوود يلول بن جلداسن إلى إحدى قبائل تازة الشهيرة النازلة على ضفة الإقليم الجنوبية المنتمية إلى جبال الأطلس المتوسط (ايت جلداسن). وهي منتمية إلى قبائل بني وراين. لكنها تابعة إداريا في التقسيم الحالي إلى ملحقة بركين دائرة كرسيف إقليم تازة.
يقول عنها الدكتور عبد الهادي التازي ضمن تحقيقه لكتاب
“المن بالإمامة” هامش رقم 3 ص 207:
“بفتح الجيم وضم السين، هكذا ضُبطت هذه الأسرة في بعض مراجع الموحدين، وقد ورد في بحث للاستاذ (نارسي)
أن آيت جلداسن (Jellidassen) قبيلة بريرية من فخدة آيت وذكرها المؤرخ:
وراين التي تقع جنوب مدينة تازة المغربية.
” _Hes. 1929 T.9.le trim
الصديق بن العربي في تأليفه “كتاب المغرب”: على أنها في ناحية كرسيف.
وجاء مثل ذلك في الموسوعة المغربية للأعلام البشرية، ومعلمة المدن والقبائل للاستاذ عبد العزيز بنعد الله. كما جاء ذكر بعض الرجال المنتمين إلى هذه القبيلة في بعض الكتب فكتاب التشوف يذكر: أبا بكر بن جلداسن الصنهاجي،
وفي الأعلام للمراكشي نجد الشيخ جلداسن بن إسحاق الركوني.
وبرباط مدينة تازة بقيت من عهد الموحدين بعض أملاك أبي داوود يلول بن جلداسن منها: جنة معروفة بشط جلداسن حبسها على العهد المريني السلطان أبو عنان مع منشآت أخرى كالرياض الكبير، والجنان “ابن الرأس” ومدشر مجوسة، أوقف ذلك على الزاوية المرينية بأنملي قرب سيدي عيسى من خارج تازة وذلك عام 754ه/1353م وتشهد على ذلك الرخامة المعلقة حتى الآن على الحائط الداخلي المقابلة للداخل من الباب الرئيسي للجامع الكبير بتازة.