حين تتحول مواقع التواصل الاجتماعي من فضاء للترفيه العابر إلى نافذة على التاريخ والذاكرة، يصبح لصاحب المحتوى الهادف دور يتجاوز حدود الشهرة. وفي هذا السياق، يبرز اسم عزيز التوزاني، ابن مدينة تازة، الذي اختار أن يجعل من منصات التواصل الاجتماعي مساحة للتعريف بتاريخ مدينته وتراثها وأعلامها، والدفاع عن حضورها في الذاكرة الجماعية.
في زمن أصبحت فيه مواقع التواصل الاجتماعي تعج بالمحتويات السريعة، وتتنافس فيها المنشورات والمقاطع على جذب الانتباه بأي وسيلة، يختار بعض صناع المحتوى طريقًا مختلفًا؛ طريق المعرفة والذاكرة والهوية.
من بين هؤلاء، يبرز عزيز التوزاني، الذي استطاع خلال السنوات الأخيرة أن يحجز لنفسه مكانًا خاصًا على منصة Facebook، من خلال محتوى يرتبط بشكل أساسي بمدينة تازة، بتاريخها، ومعالمها، ورجالاتها، وحكاياتها التي لم تنل دائمًا ما تستحقه من اهتمام.
من أزقة تازة بدأت الحكاية
نشأ عزيز التوزاني في مدينة ترتبط ذاكرتها بأسوار عريقة وأبواب تاريخية وأحياء قديمة وحكايات تناقلتها الأجيال.
ومن هذا المحيط، بدأ اهتمامه بتاريخ المدينة وتراثها. لم يكن الأمر بالنسبة إليه مجرد هواية عابرة، بل تحول تدريجيًا إلى شغف بالبحث والتنقيب في ذاكرة تازة، ومحاولة إعادة تقديمها للأجيال الجديدة بلغة يفهمها الجميع.
يتنقل بين أحياء المدينة ومعالمها، يبحث في الوثائق والصور والروايات، ويستحضر قصصًا وشخصيات وأحداثًا قد لا يعرفها كثير من أبناء المدينة أنفسهم.
وهكذا أصبحت تازة بالنسبة إليه ليست مجرد مكان للعيش، وإنما ذاكرة تستحق أن تُروى.
حين يصبح المنشور رحلة إلى الماضي
ما يميز تجربة عزيز التوزاني هو اختياره لمواضيع تبدو في ظاهرها بسيطة، لكنها تحمل في عمقها الكثير من الأسئلة حول تاريخ المدينة وتطورها.
من خلال منشوراته، يعيد فتح ملفات مرتبطة بتاريخ تازة، ويطرح أسئلة حول معالمها وأحيائها وأسوارها وأبوابها وشخصياتها، محاولًا ربط الماضي بالحاضر.
ومن بين المواضيع التي أثارت اهتمام متابعيه، حديثه عن وجود مدينة قديمة بين تازة القديمة وتازة الجديدة، وهو موضوع فتح نقاشًا واسعًا وأعاد إلى الواجهة جانبًا من التاريخ العمراني للمدينة.
بالنسبة لعزيز، لا تكمن أهمية هذه المواضيع في سرد المعلومة فقط، وإنما في دفع المتلقي إلى السؤال والبحث والتفكير:
ماذا كانت تازة؟ وكيف كانت؟ وماذا بقي من ذاكرتها؟
جمهور يبحث عن شيء مختلف
ربما لم يكن متوقعًا أن يحظى هذا النوع من المحتوى باهتمام واسع في فضاء تهيمن عليه السرعة والإثارة.
لكن تجربة عزيز أثبتت أن هناك جمهورًا كبيرًا لا يزال يبحث عن المعرفة، وعن القصص التي تمنحه فرصة للتعرف على مدينته وماضيه وهويته.
ومع مرور الوقت، اتسعت دائرة متابعيه، ولم تعد منشوراته موجهة إلى أبناء تازة وحدهم، بل أصبحت تصل إلى متابعين من مختلف المدن المغربية، وإلى أفراد من أبناء المدينة المقيمين خارج الوطن، ممن يجدون في هذه المنشورات صلة بمدينتهم وذكرياتهم.
فبالنسبة للكثيرين، قد يكون منشور عن باب قديم أو حي منسي أو شخصية تازية فرصة لاستعادة صورة من الماضي، أو فتح حديث عائلي، أو اكتشاف جانب من تاريخ لم يكن معروفًا لديهم.
من التاريخ إلى قضايا المدينة
لكن تجربة عزيز لم تتوقف عند استحضار الماضي.
فمع مرور الوقت، أصبح حضوره على مواقع التواصل الاجتماعي مرتبطًا أيضًا بالشأن المحلي وبقضايا المدينة، من خلال طرح أسئلة تتعلق بالنظافة، والجمالية، والمساحات الخضراء، والإنارة، والحفاظ على المعالم التاريخية، وتشجيع المبادرات المدنية.
وهنا تتضح فلسفة مختلفة في استعمال مواقع التواصل الاجتماعي:
أن تعرف تاريخ مدينتك، فهذا مهم؛ وأن تهتم بحاضرها ومستقبلها، فهذا أهم.
فالحفاظ على الذاكرة لا يعني العيش في الماضي، وإنما يمكن أن يكون وسيلة لفهم الحاضر والمطالبة بمستقبل أفضل.
في مواجهة محتوى اللحظة
لا يخفي عزيز قناعته بأن مواقع التواصل الاجتماعي يمكن أن تكون أكثر من مجرد وسيلة للترفيه أو البحث عن المشاهدات.
وفي الوقت الذي أصبح فيه الوصول إلى آلاف المتابعين ممكنًا من خلال محتويات عابرة، اختار هو أن يبني حضوره على موضوع قد يبدو أقل إثارة بالنسبة للبعض، لكنه أكثر ارتباطًا بالهوية والذاكرة.
إنه رهان على أن المعلومة يمكن أن تكون جذابة، وأن التاريخ يمكن أن يصل إلى الشباب، وأن التراث ليس شيئًا محفوظًا في الكتب والمتاحف فقط، بل يمكن أن يعيش أيضًا على شاشة الهاتف.
تازة أولًا
ربما تكون أهم ما يميز تجربة عزيز التوزاني هي تلك العلاقة الخاصة التي تربطه بمدينة تازة.
فهو لا يقدم نفسه باعتباره مجرد ناقل للمعلومة، وإنما يحاول أن يكون جزءًا من النقاش حول المدينة: تاريخًا وحاضرًا ومستقبلًا.
وفي كثير من منشوراته، تبدو الرسالة واضحة:
تازة ليست مجرد مدينة عابرة في خريطة المغرب، وإنما مدينة لها تاريخ وذاكرة وإرث يستحق أن يُعرف ويُحافظ عليه ويُعاد تقديمه للأجيال.
وهذه الرسالة هي التي جعلت حضوره على مواقع التواصل الاجتماعي يتجاوز حدود الصفحة الشخصية، ليصبح جزءًا من نقاش أوسع حول صورة المدينة ومكانتها وسبل النهوض بها.
حين تصبح وسائل التواصل وسيلة لحفظ الذاكرة
في النهاية، قد تختلف الآراء حول طريقة تقديم التاريخ، وقد يختلف الناس حول بعض التفاصيل أو الروايات، لكن لا يمكن إنكار أهمية المبادرات التي تدفع الناس إلى السؤال عن تاريخ مدنهم والبحث في ذاكرتها.
وتجربة عزيز التوزاني تقدم نموذجًا لشاب اختار أن يستثمر حضوره الرقمي في موضوع يؤمن به: تازة، تاريخها، تراثها، وذاكرتها.
ففي عالم تتسارع فيه الأحداث وتختفي فيه كثير من التفاصيل القديمة، قد تكون هناك حاجة إلى من يتوقف قليلًا، ينظر إلى الوراء، ويسأل:
من أين جئنا؟
ومن هم الذين صنعوا ذاكرة هذه المدينة؟
وماذا سنترك نحن للأجيال القادمة؟
ربما تكون قيمة تجربة عزيز التوزاني الحقيقية في أنها لا تكتفي بتذكير الناس بما كانت عليه تازة، وإنما تحاول، بطريقة أو بأخرى، أن تجعلهم يفكرون فيما يمكن أن تكون عليه تازة غدًا.