المحلية

العين الزرقاء بتطوان ورأس الماء بتازة: صورة تكشف الفرق بين التأهيل والإهمال

عمار قشمار
تكفي صورة واحدة للعين الزرقاء بضواحي تطوان بعد إعادة تأهيلها كي تفتح نقاشًا واسعًا حول طريقة تعامل المدن المغربية مع مؤهلاتها الطبيعية. فالمشهد، كما توثقه الصورة، لا يعكس مجرد تجمع مائي، بل يُظهر فضاءً ترفيهيًا يستقبل أعدادًا كبيرة من الزوار، ويوفر مسابح طبيعية ومجالات للجلوس والاستجمام، في إطار يبدو أكثر تنظيمًا وملاءمة لاستقبال الأسر والأطفال.
في الجهة المقابلة، تقدم صورة رأس الماء بإقليم تازة مشهدًا طبيعيًا لا يقل جمالًا. مياه جارية، وشلالات صغيرة، وأشجار وارفة، وصخور ومنحدرات تمنح المكان جاذبية خاصة. غير أن هذا الغنى الطبيعي لا يبدو، إلى حدود اليوم، مصحوبًا بتأهيل مماثل يجعل الموقع فضاءً عموميًا منظمًا، أو يتيح للساكنة الاستفادة من مسابح طبيعية آمنة ومفتوحة أمام الجميع.
وهنا تبرز المفارقة بوضوح: العين الزرقاء بتطوان استفادت من إعادة التأهيل وتحولت إلى متنفس صيفي يستقبل الزوار، بينما ما تزال رأس الماء بتازة تنتظر مبادرة مماثلة تستثمر مياهها وطبيعتها في خدمة الساكنة والتنمية المحلية.
إن أهمية العين الزرقاء لا تكمن فقط في كونها مسبحًا طبيعيًا مجانيًا، بل في الطريقة التي جرى بها تحويل الموقع إلى فضاء قابل للاستقبال. فوجود أكثر من حوض، وتخصيص فضاءات لمختلف الفئات، وتنظيم محيط المسبح، كلها عناصر تجعل الطبيعة أقرب إلى المواطن وأكثر قدرة على أداء وظيفة اجتماعية وسياحية في الوقت نفسه.
أما رأس الماء، فتتوفر على مؤهلات طبيعية كبيرة. فهي تقع بجماعة باب بودير، على بعد نحو 12 كيلومترًا من مدينة تازة، وتشكل وجهة يقصدها الباحثون عن الاستجمام والهواء النقي خلال فصل الصيف. كما ترتبط بالمجال الطبيعي لمنتزه تازكة، الذي يزخر بإمكانات السياحة الجبلية والغابوية والاستغوارية والثقافية. وتشير المعطيات إلى أن عين رأس الماء من أكبر العيون في المنطقة، بصبيب يناهز 270 لترًا في الثانية.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو:
لماذا لا تتحول هذه المؤهلات إلى مسابح طبيعية مهيأة لفائدة الساكنة؟
ولماذا لا يتم اعتماد نموذج بسيط يحافظ على طبيعة المكان، مع توفير أحواض آمنة، ومرافق صحية، ومسالك منظمة، وفضاءات للراحة، ومناطق مخصصة للأطفال والعائلات؟
لا يتعلق الأمر بالدعوة إلى تحويل رأس الماء إلى فضاء إسمنتي أو منتجع تجاري فاقد للهوية، بل بالمطالبة بتهيئة مسؤولة تحترم البيئة وتستجيب في الوقت نفسه لحاجات السكان. فإحداث مسابح طبيعية لا يعني بالضرورة بناء منشآت ضخمة؛ يمكن الاكتفاء بتأمين بعض الأحواض، وترميم النقاط المناسبة، ووضع حواجز في الأماكن الخطرة، وتوفير فضاءات للعائلات، وإنشاء مرافق صحية وحاويات للنفايات، إلى جانب تنظيم الحراسة والصيانة خلال موسم الاصطياف.
إن صورة العين الزرقاء بعد إعادة تأهيلها تقدم درسًا واضحًا: الطبيعة وحدها تملك الجاذبية، لكن التأهيل هو الذي يحولها إلى خدمة عمومية ومورد اقتصادي.
وبالنسبة إلى رأس الماء، فإن غياب مسابح طبيعية منظمة لا يعكس غياب الإمكانات، بل يعكس حاجة المنطقة إلى قرار تنموي واضح يضع هذا الموقع ضمن أولويات السياحة المحلية والتهيئة المجالية.
وتستطيع السلطات والمنتخبون والفاعلون المحليون بتازة استلهام التجربة دون نسخها حرفيًا. فالمطلوب هو صياغة نموذج يناسب خصوصية رأس الماء، ويحافظ على مياهها وأشجارها وتضاريسها، ويمنح الساكنة فضاءً مجانيًا أو منخفض التكلفة للاستجمام، ويشجع الزوار على الإقامة والاستهلاك داخل المنطقة بدل الاكتفاء بزيارة عابرة.
إن المقارنة بين العين الزرقاء ورأس الماء ليست مقارنة بين تطوان وتازة، ولا بين منطقتين تتنافسان على الجمال؛ إنها مقارنة بين مؤهل طبيعي جرى استثماره وتأهيله، ومؤهل آخر ما يزال ينتظر العناية والقرار.
والعبرة هنا أن التنمية لا تبدأ دائمًا بمشاريع ضخمة، بل قد تنطلق من فكرة بسيطة: حماية الماء، تنظيم المكان، وفتح الطبيعة أمام الناس في شروط تحفظ كرامتهم وسلامتهم.
رأس الماء بتازة لا تحتاج إلى معجزة، بل إلى إرادة عملية ومشروع متدرج. فالمسابح الطبيعية الآمنة يمكن أن تمنح الساكنة متنفسًا طال انتظاره، وتعيد للموقع دوره السياحي، وتخلق فرصًا اقتصادية محلية، شرط أن يتم ذلك ضمن رؤية تحمي البيئة ولا تفرط في أصالة المكان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى