إعداد: عمار قشمار
حين يصبح الإبداع بلا عنوان
بين جدران قديمة تنطق بالتاريخ، وساحة باب الريح الصامتة، وحي الكعدة المحفوف بالذاكرة، تنام الثقافة في تازة نومًا عميقًا. مدينة كانت يومًا منارات علم وقراءة، صارت اليوم تفتقر إلى أبسط مقومات الفعل الثقافي: لا مكتبة كبرى مفتوحة، لا دار ثقافة فاعلة، ولا مهرجان له صيت وطني.
مدينة العلم… خارج الزمن الثقافي
تازة التي أنجبت فقهاء ومؤرخين ومبدعين، من عبد الهادي التازي إلى الشعراء العصاميين، صارت اليوم مدينة بلا برنامج ثقافي قاري، وبلا احتضان ممنهج للفن والفكر والإبداع. النشاط الثقافي يقتصر على مبادرات فردية معزولة، غالبًا ما تُخنق بالإكراهات المادية أو بالإهمال المؤسساتي.
مكتبة تازة الكبرى… مشروع معلّق
منذ سنوات، يراهن الفاعلون الثقافيون على ما سُمي بـ”مكتبة تازة الكبرى”، وهو مشروع كان يُفترض أن يكون منصة حضارية للقراءة والتكوين والتلاقي. غير أن المشروع ظل يراوح مكانه بين الوعود السياسية والميزانيات المؤجلة، مما جعله يتحول إلى رمز للإخفاق أكثر منه لبذرة أمل.
دار الثقافة… بلا روح
دار الثقافة الوحيدة في المدينة تعاني من ضعف في البرمجة، وقلة التجهيزات، وعدم انتظام الأنشطة. كما أن قلة الدعم العمومي، وغياب تصور واضح للتدبير، جعل من المؤسسة فضاء بلا جاذبية، وبدون قدرة على التأطير أو الاستقطاب.
الفنانون والمثقفون… في عزلة
الكتاب، المسرحيون، الشعراء، التشكيليون… يشتغل أغلبهم في صمت، خارج أي دعم أو اهتمام رسمي. بل إن العديد من الأسماء البارزة في المشهد الثقافي المحلي اختارت الانسحاب أو الهجرة، بسبب الإحباط وغياب فرص العرض والتكوين والتقدير.
“نحن موجودون فقط في المناسبات، حين تُطلب منا قراءات أو عروض مجانية، ثم يُغلق علينا الباب في باقي أيام السنة”، يقول فنان تشكيلي من المدينة.
المدارس بلا أنشطة… والهوامش بلا فضاءات
الفراغ الثقافي يتجلى أيضًا في غياب الأنشطة داخل المؤسسات التعليمية، وغياب أي استراتيجية لخلق نوادي أدبية أو فنية. كما أن الأحياء الهامشية والمراكز القروية التابعة لتازة تفتقر تمامًا لدور شباب فعالة أو مراكز ثقافية مهيأة.
الثقافة كرافعة تنموية… الغائب الأكبر
رغم كل التجارب التي تُثبت أن الثقافة تخلق فرصًا اقتصادية، وتُعزز الانتماء، وتُقلص العنف، إلا أن المسؤولين المحليين يظلون حبيسي مقاربة ضيقة تعتبر الثقافة “ترفًا” أو “زائدة تنظيمية”. وهي نظرة جعلت المدينة تخسر كثيرًا من وهجها الرمزي.
المطالب الملحة:
• إنشاء مكتبة تازة الكبرى وفتحها أمام العموم وتجهيزها بشكل لائق.
• إصلاح دار الثقافة وتحديث بنيتها الإدارية والفنية.
• دعم الجمعيات الثقافية الجادة ضمن دفتر تحملات واضح.
• خلق فضاءات ثقافية للقرب في الأحياء الهامشية.
• تنظيم مهرجانات فنية وفكرية تُعيد للمدينة إشعاعها الرمزي.
________________________________________
تازة التي علمت الأجيال، لا تستحق أن تُترك في الظل الثقافي. الإبداع فيها ليس رفاهية، بل حاجة لإعادة الاعتبار لإنسانها، وذاكرتها، وهويتها. والثقافة، هنا، ليست ترفًا بل طريقًا نحو الإنصاف.