تشهد الساحة السياسية بإقليم تازة حركية غير معلنة، يقودها ما يُصطلح عليهم بـ”صقور الانتخابات”، في سياق استعدادات مبكرة لاستحقاقات سنة 2026، التي يُنظر إليها كمرحلة اختبار حاسمة قبل المحطة الأهم المتمثلة في الانتخابات الجماعية لسنة 2027. هذه التحركات، وإن بدت هادئة في ظاهرها، إلا أنها تحمل في عمقها رهانات استراتيجية تتجاوز مجرد التنافس الانتخابي إلى محاولة إعادة تشكيل موازين القوى داخل الإقليم.
وفق معطيات متقاطعة، يعمل عدد من الفاعلين السياسيين النافذين على تعزيز مواقعهم بشكل استباقي، من خلال استقطاب ما يُعرف بـ”الناخبين الكبار”، في محاولة لضمان قاعدة انتخابية صلبة. ويُنظر إلى شتنبر 2026 باعتباره “ترمومتراً سياسياً” يقيس جاهزية الأحزاب والمرشحين لمعركة 2027، حيث تتبلور التحالفات وتُختبر الولاءات.
ومن أبرز ملامح هذه الاستراتيجية، التوجه نحو تقليص عدد المرشحين في الانتخابات البرلمانية المقبلة، عبر حصرهم في خمسة أو ستة أسماء وازنة، وذلك بهدف تفادي تشتت الأصوات وضمان حظوظ أوفر للفوز. غير أن هذا التوجه يطرح أكثر من علامة استفهام حول مدى احترامه للديمقراطية الداخلية للأحزاب، خاصة في ظل ما يُروج عن إقصاء محتمل لوجوه جديدة ومناضلين شباب.
هذا الواقع يعكس، بحسب عدد من المتتبعين، استمرار هيمنة نخبة سياسية تقليدية على المشهد المحلي، رغم التحولات التي يشهدها المغرب والدعوات المتكررة إلى تجديد النخب وضخ دماء جديدة في الحياة السياسية. ويُطرح هنا سؤال جوهري: إلى أي حد يمكن لهذه المقاربات “المحافظة” أن تواكب تطلعات ساكنة الإقليم، خاصة فئة الشباب التي تُراهن على التغيير والتنمية؟
في المقابل، تبدو السلطات الإقليمية أمام معادلة معقدة، حيث تجد نفسها بين مطرقة التوجيهات العليا الداعية إلى تخليق الحياة السياسية وتعزيز المشاركة، وسندان واقع محلي تتحكم فيه توازنات تقليدية يصعب اختراقها. وهو ما قد يفسر نوعاً من الحذر أو حتى العجز في الدفع نحو تجديد حقيقي للنخب.
وفي ظل هذه المعطيات، تلوح في الأفق مؤشرات مقلقة بشأن نسب المشاركة السياسية، حيث يتوقع بعض المراقبين ألا تتجاوز نسبة التصويت 30 في المائة، في حال استمرار نفس الوجوه ونفس الأساليب. وهو ما يعكس حالة من العزوف وفقدان الثقة لدى جزء مهم من المواطنين، خاصة الشباب.
ختاماً، تقف تازة اليوم عند مفترق طرق: إما تكريس واقع سياسي تقليدي يعيد إنتاج نفسه، أو الانخراط في دينامية تغيير حقيقية تُعيد الاعتبار للعمل السياسي كرافعة للتنمية. وبين هذا وذاك، يبقى الرهان الأكبر هو استعادة ثقة المواطن، باعتبارها المدخل الأساسي لأي إصلاح ديمقراطي ناجح.