مجتمع

وقاية الأبناء من التحرش والانحرافات الأسرية… تربية تبدأ من البيت

تازة: عمار قشمار
تُجمع الدراسات التربوية والنفسية الحديثة على أن الوقاية من التحرش والانتهاكات الجنسية لا تبدأ في المدرسة أو الشارع، بل من داخل الأسرة، حيث يتشكل الوعي الأول بالذات والآخر وبالحدود الجسدية والعاطفية. فالتربية على الاحترام تبدأ من البيت، حين يُدرك الأبوان أن بناء ثقافة الوعي الجسدي لدى الطفل هو أساس الحماية قبل أي تدخل خارجي.

الوعي الجسدي… حجر الأساس في التربية الوقائية

منذ السنوات الأولى من حياة الطفل، ينبغي أن يتعلّم الفرق بين اللمسة المريحة وغير المريحة، وبين الموقف الآمن والموقف الذي يثير الريبة أو الخوف. وينصح الخبراء بعدم السماح بالاحتكاك الجسدي المفرط بين الأطفال والبالغين في أوضاع قد تكون غير لائقة، مثل جلوس الطفلة على فخذ والدها أو احتضان أحد الأقارب بشكل متكرر أو مطوّل.
الهدف من ذلك ليس كبت العاطفة أو تجميدها، بل غرس مفهوم الخصوصية والاحترام، لأن الطفل في هذه المرحلة يبني صورته الأولى عن جسده وحدوده.
كما يُعدّ فصل أماكن نوم الأبناء بعد سنّ السادسة من القواعد التربوية الأساسية، لما له من أثر في تنمية الاستقلالية والوقاية من الالتباس السلوكي، سواء بين الأبناء من الجنس نفسه أو من الجنسين المختلفين.

الانتهاكات داخل الأسرة… صمت يضاعف الخطر

رغم أن الأسرة تُعتبر نظريًا الملاذ الآمن الأول للطفل، إلا أن الواقع الميداني يشير إلى أن الانتهاكات الجسدية أو الجنسية قد تحدث أحيانًا داخلها. وتشير تقارير تربوية إلى أن التحرش بين الأقارب من الجنسين ظاهرة موجودة لكنها مسكوت عنها، وغالبًا ما يكون المعتدي قد تعرّض سابقًا لتجارب مؤذية جعلته يعيد إنتاج العنف بطريقة لا شعورية.
وفي هذا السياق، تقول أستاذة علم النفس العائلي: «الخطر لا يأتي دائمًا من الغرباء، بل من غياب الحدود داخل الأسرة نفسها، حين يُسمح بتجاوزات صغيرة يظنها الأهل عادية لكنها تزرع في الطفل ارتباكًا طويل المدى».

الفضاء الرقمي… خطر صامت داخل البيوت

لم تعد المخاطر مقتصرة على المحيط المادي، إذ تحوّل الفضاء الرقمي إلى مصدر تهديد متزايد. فبعض المواقع تروّج لمحتويات غير أخلاقية تمسّ كيان الأسرة تحت مسميات مضللة، ما قد يشوه وعي المراهقين بالعلاقات الإنسانية.
ويحذر مختصون من أن الانفتاح غير الموجَّه على هذه المواد قد يغرس مفاهيم خطيرة عن الجسد والعلاقة الأسرية، خصوصًا في غياب الحوار والرقابة الأبوية الواعية.

أرقام تدق ناقوس الخطر

تؤكد معطيات رسمية أن المغرب سجل سنة 2022 ما مجموعه 3,295 حالة اعتداء جنسي على الأطفال، وفق أرقام النيابة العامة. وتشير منظمة ECPAT إلى أن العنف الجنسي ضد الأطفال “يؤثر على ملايين الضحايا” رغم ضعف الإبلاغ والوصمة الاجتماعية التي تحيط بالموضوع. كما كشفت دراسة وطنية أن 15% من النساء (15–49 سنة) تعرضن لعنف جسدي أو جنسي خلال سنة واحدة، مع تباين بين الوسطين الحضري والقروي.
ويرى الخبراء أن هذه الأرقام لا تمثل إلا الجزء الظاهر من الظاهرة، لأن الكثير من الحالات تُدفن في الصمت العائلي أو تُعتبر “شأنًا خاصًا”.

الإطار القانوني… بين النص والواقع

ينص القانون المغربي على إمكانية إصدار أوامر حماية ضد مرتكبي الاعتداءات أو التحرش ضد القاصرين والنساء، تمنعهم من الاقتراب أو التواصل مع الضحايا. ومع ذلك، تبقى الممارسات القانونية محدودة داخل الإطار الأسري، بسبب الخوف من الفضيحة أو من تمزق الروابط العائلية. وهو ما يدفع المختصين إلى المطالبة بتعزيز الثقافة القانونية الوقائية داخل البيوت والمؤسسات التربوية.

التربية الوقائية… وعي لا تخويف

يرى خبراء علم النفس أن حماية الأبناء لا تتحقق عبر المنع المطلق أو بثّ الخوف، بل من خلال المصارحة التدريجية والمرافقة التربوية. فكل طفل يجب أن يتعلّم أن جسده ملك له، وأن الحب والرعاية لا تعني التعدي على الحدود.
ويقول الخبير التربوي (د. ب.):
«التربية الجنسية الوقائية لا تعني الحديث عن الجنس، بل تعني غرس ثقافة الاحترام. الوقاية تبدأ من الوعي والقدوة قبل أي توجيه لفظي».

نحو ثقافة أسرية آمنة
– لضمان بيئة أسرية سليمة، يوصي الخبراء بمجموعة من الممارسات العملية:
– فصل أماكن نوم الأبناء مع بلوغهم سن السادسة أو ما قبل المراهقة.
– الانتباه للّبس والسلوك داخل المنزل، خصوصًا في مرحلة المراهقة.
– مراقبة استعمال الأبناء للإنترنت، مع الحوار بدل التجسس.
– الإنصات لأي تغير في سلوك الطفل أو المراهق، باعتباره مؤشرًا مبكرًا على أزمة أو تجربة غير مريحة.
– طلب المساعدة المهنية (نفسية أو قانونية) عند الحاجة دون تردد.

الخلاصة
إن بناء جيل سليم نفسيًا وسلوكيًا يبدأ من البيت، من تربية تحترم الجسد والخصوصية وتغرس مفهوم الكرامة. فالوقاية ليست خوفًا، بل مسؤولية مشتركة بين الأبوين والمجتمع. وبقدر ما يتحمل الكبار وعيهم وسلوكهم، بقدر ما يورّثون أبناءهم أمانًا داخليًا يحميهم من كل أشكال الانتهاك والانحراف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى