الرأي

صدّقتُ نفسي… حين شكّ بي الجميع

أحمد الشهبي

بصراحة، لم أكن أعرف إلى أين ستأخذني الكتابة. كنت أكتب وأتوقف، وأعود لقراءة ما كتبت، وأسأل نفسي: هل يستحق كل هذا التعب؟ وهل يمكن لكلمات أكتبها في صمت، بعيدًا عن الأضواء، أن تصل يومًا إلى أحد؟ ومع ذلك، كنت أعود إلى الورقة في كل مرة، كأن في داخلي شيئًا عنيدًا يرفض أن يقتنع بأن الحكاية انتهت قبل أن تبدأ.

لم تكن لديّ ضمانات، ولا خريطة تدلّني على الطريق. كل ما امتلكته كان رغبة في الكتابة، وإيمانًا خافتًا بأن ما أشعر به يستحق أن يُكتب، وأن الحكايات التي تسكنني تستحق أن تجد طريقها إلى الورق. كنت أكتب لأنني أحب ذلك، ولأنني وجدت في الكلمات مساحة أقول فيها ما لا أستطيع قوله في الحياة اليومية، وأمنح فيها الأشياء الصغيرة معنى قد لا ينتبه إليه أحد.

لكن الطريق لم يخلُ من الشكوك. كان هناك من لم يرَ في البدايات ما يستحق الانتظار، ومن لم يفهم لماذا يصرّ إنسان على الكتابة في زمن يريد فيه الجميع نتائج سريعة واعترافًا فوريًا. ولعل بعضهم لم يكن يقصد إحباطي، لكن نظرات الاستغراب، وقلة الاكتراث، والصمت الذي يستقبل محاولاتي، كل ذلك كان كافيًا ليجعلني أسأل نفسي: هل أسير في الاتجاه الصحيح؟

ولم أكن أملك دائمًا جوابًا أدافع به عن اختياري. كيف تشرح شغف الكتابة لمن لا يرى فيها سوى كلمات مصفوفة على الورق؟ وكيف تقنع الآخرين بقيمة حلم لم يتحول بعد إلى شيء ملموس؟

فاخترت أن أكتب.

لم أكن أنتظر تصفيقًا من أحد، ولا أطلب من الناس أن يؤمنوا بما أكتب قبل أن أمنح نفسي فرصة حقيقية للتعلم والتطور. كان همّي ألّا أفقد ثقتي بتلك الرغبة التي دفعتني إلى الكتابة أول مرة، وألّا أترك غياب الاعتراف يقنعني بأن ما أفعله لا يستحق الاستمرار.

ومع الأيام، فهمت أن أصعب ما يواجهه الكاتب ليس أن يشكّ الناس في قدرته، بل أن يتبنى شكوكهم ويجعلها صوته الداخلي. أن يترك الكتابة لا لأن شغفه انطفأ، وإنما لأنه انتظر طويلًا أن يصفّق له أحد، أو أن يعترف الآخرون بقيمة ما يكتب قبل أن يعترف هو نفسه بحقه في المحاولة.

كنت أخشى تلك اللحظة؛ أن أترك الكلمات التي أحبها، وأدفن الحكايات التي أريد أن أرويها، لمجرد أن الطريق صعب، أو لأن بعض الناس لم يروا في محاولاتي ما يستحق الاهتمام.

ومع ذلك، لم أتوقف.

كتبت وتعلمت وأخطأت، وأعدت النظر في كثير مما كتبت. ثم بدأت أحلام ظلت زمنًا طويلًا حبيسة الخيال تتحول إلى أشياء ملموسة. صدرت لي روايتان، وخرجت مجموعتان قصصيتان إلى القراء، وصارت النصوص التي كتبتها في لحظات العزلة والانتظار جزءًا من تجربتي الأدبية التي أنظر إليها اليوم بشيء من الاعتزاز.

ثم جاءت لحظة الفوز بالمرتبة الأولى وطنيًا في مسابقة إنتاج القصص الأدبية الموجهة للأطفال واليافعين، عن قصتي «يوم أصبحت بحجم نملة». كان لهذا الفوز مكان خاص في نفسي، ليس بسبب الترتيب وحده، وإنما لأنه أكد لي أن الكتابة التي آمنت بها وعملت عليها بعيدًا عن الضجيج يمكن أن تجد من يقدّرها.

لم أشعر يومها بأنني أصبحت كاتبًا مختلفًا بين ليلة وضحاها، ولم أظن أن الطريق انتهى. شعرت فقط بأن ذلك الإيمان القديم الذي رافقني في البدايات لم يكن عبثًا، وأن المحاولات التي لم ينتبه إليها أحد لم تضِع كما كنت أظن أحيانًا.

منحتني هذه التجارب ثقة أكبر بنفسي وبقدرتي على مواصلة الكتابة، لكنها علمتني أيضًا أن الثقة الحقيقية لا تأتي من الجوائز وحدها، ولا من عدد الكتب التي يحمل غلافها اسمك. إنها تبدأ من قدرتك على الاستمرار حين لا يضمن لك أحد النجاح، ومن استعدادك لكتابة نص جديد بعد كل تجربة، والعودة إلى الورقة كما لو أنك ما زلت في البداية، تتعلم وتبحث عن صوتك الخاص.

فروايتان ومجموعتان قصصيتان ومرتبة وطنية أولى، كلها أشياء أعتز بها، لكنها لا تعفيني من مسؤولية الكتابة الجيدة، ولا تجعل كل ما أكتبه جميلًا بالضرورة. إنها محطات على الطريق، لا نهايته؛ إشارات تشجعني على المضي قدمًا، لا أسباب تجعلني أعتقد أنني بلغت ما أريد.

واليوم، حين أعود بذاكرتي إلى البدايات، لا أشعر برغبة في محاسبة من شكّوا بي، ولا أنتظر يومًا يعترفون فيه بأنهم أخطؤوا. لم أعد أريد أن أجعل الكتابة وسيلة لإثبات شيء لأحد، ولا أن أحوّل كل نجاح إلى جواب متأخر عن سؤال لم يطرحه أحد أصلًا.

أكتب لأن لديّ ما أقوله، ولأنني ما زلت أؤمن بأن الحكايات تستحق أن تُروى، وبأن الأدب قادر على فتح نافذة في جدار الصمت، وبأن كلمة صادقة قد تصل إلى قارئ لا يعرفني، فتمسّ فيه شيئًا يعرفه جيدًا.

ولعل أجمل ما تعلمته أن الكاتب لا يحتاج إلى أن يؤمن الجميع بموهبته، لكنه يحتاج إلى أن يكون صادقًا مع نفسه، وصبورًا بما يكفي لتطوير أدواته، ومتواضعًا بما يكفي لتقبّل النقد، وشجاعًا بما يكفي لنشر نصوصه دون انتظار ضمانات لا يملكها أحد.

صدّقتُ نفسي… حين شكّ بي الجميع.

لم أفعل ذلك لأنني كنت متأكدًا من أنني سأصدر كتبًا، أو أفوز بجائزة وطنية، أو يأتي يوم يُذكر فيه اسمي في سياق أدبي. صدّقت نفسي لأنني شعرت بأن الكتابة تستحق مني المحاولة، وأن من حقي أن أخوض تجربتي كاملة، وأن أتعثر وأتعلم وأعيد المحاولة، دون أن أستأذن أحدًا كي أحب ما أحب، وأحلم بما أحلم به.

واليوم، لا أقول إنني وصلت، بل إنني قطعت بعض الطريق. ما زالت هناك حكايات تنتظرني، وشخصيات لم تولد بعد، وأفكار تحتاج إلى وقت لتنضج. وما زلت، رغم كل ما تحقق، ذلك الإنسان الذي يجلس أمام الورقة أحيانًا ولا يعرف من أين يبدأ، ثم يكتب سطرًا ويتبعه بآخر، فيكتشف أن الطريق لا ينفتح كله دفعة واحدة، بل يتكشف خطوة بعد خطوة.

لم تعد ثقتي بنفسي رهينة بما يقوله الناس عن كتابتي، ولم يعد إيماني بها مجرد أمنية أنتظر تحققها. لقد صار تجربة أعيشها، وكتبًا تحمل اسمي، وقبل ذلك كله رغبة لم تنطفئ في أن أكتب من جديد. تجربة علمتني أن المحاولات الصامتة قد تجد يومًا طريقها إلى الضوء، وأن ما نزرعه بإخلاص لا نعرف دائمًا متى سيزهر، لكن ذلك لا يعني أن نتوقف عن رعايته.

لذلك سأواصل الكتابة؛ لا لأثبت أن الذين شكّوا بي كانوا مخطئين، وإنما لأمنح ذلك الإيمان الذي بدأ صغيرًا فرصة أخرى كي يكبر.

فأحيانًا، لا تحتاج إلى من يؤمن بك بقدر ما تحتاج إلى ألّا تتخلى أنت عن نفسك، وأن تمنح حلمك الوقت والعمل اللذين يستحقهما، حتى لو لم يعرف أحد، في البداية، إلى أين يمكن أن يقودك.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى