الصورة من أرشيف الدورة الأولى
تستعد مدينة تازة لاحتضان الدورة الثانية من مهرجان «تازة، ذاكرة وفنون حية»، خلال الفترة الممتدة من 15 إلى 18 أكتوبر 2026، في موعد ثقافي وفني يسعى إلى تجاوز حدود الاحتفاء بالتراث نحو فتح نقاش واسع حول مستقبل المدينة والإقليم، واستثمار الثقافة والفنون والابتكار كرافعات للتنمية.
وتنظم جمعية تازة الكبرى للتنمية هذه الدورة تحت شعار «تازة 2030: مدينة تعيد ابتكار نفسها»، في تصور يروم الربط بين الذاكرة التاريخية للمدينة والتحولات التي يعرفها العالم في مجالات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والسياحة والتنمية الترابية.
وتأتي الدورة الثانية بعد تجربة أولى احتضنتها تازة في نونبر 2025 تحت عنوان «الهيتي: الذاكرة والفنون الحية»، جعلت من التراث اللامادي، ولا سيما فن الهيتي، محوراً رئيسياً لها، إلى جانب التبوريدة والمعارض الفنية والصناعة التقليدية والندوات الفكرية. كما عرفت مشاركة السنغال كضيف شرف وإقليم السمارة ممثلاً لجهة العيون الساقية الحمراء، في توجه نحو الانفتاح الثقافي وتبادل التجارب.
وكانت الدورة الأولى قد قدمت تصوراً للمهرجان باعتباره أكثر من مجرد تظاهرة فنية، إذ سعى منظموها إلى جعلها منصة لصون فن الهيتي ودعم ممارسيه وتشجيع الشباب على نقل هذا التراث إلى الأجيال الجديدة، وربط الذاكرة الثقافية بتنشيط السياحة وتعزيز إشعاع تازة.
إذا كانت الدورة الأولى قد انطلقت من سؤال الذاكرة وحماية التراث اللامادي، فإن الدورة الثانية تبدو أكثر اتساعاً من حيث الموضوعات والرهانات، إذ تجعل من مستقبل تازة في أفق 2030 محوراً مركزياً لبرنامجها.
ويحضر هذا التوجه من خلال مجموعة من اللقاءات الفكرية والمبادرات التي تربط الثقافة بالاقتصاد والسياحة والاستثمار والتكنولوجيا، في محاولة لتحويل المهرجان إلى فضاء للتفكير في الإمكانات التي تتوفر عليها المدينة والإقليم، وكيفية تحويل مؤهلاتهما التاريخية والطبيعية والثقافية إلى فرص تنموية مستدامة.
وتحل كوت ديفوار ضيفة شرف على هذه الدورة، فيما تحضر جهة بني ملال – خنيفرة كجهة ضيفة، بما يعزز البعد الوطني والإفريقي للمهرجان ويفتحه على تجارب ثقافية وتنموية مختلفة.
من أبرز مستجدات الدورة الثانية تنظيم هاكاثون «تحدي تازة للابتكار: الذكاء الاصطناعي في خدمة التنمية الجهوية»، وهو رهان جديد ينقل المهرجان من فضاء العرض والاحتفاء إلى فضاء إنتاج الأفكار والحلول.
ويهدف التحدي إلى فتح المجال أمام الشباب وأصحاب المشاريع والمهتمين بالتكنولوجيا لتقديم أفكار ومشاريع توظف تقنيات الذكاء الاصطناعي في معالجة إشكالات مرتبطة بالتنمية الترابية.
وتكمن أهمية هذه المبادرة في محاولة ربط التكنولوجيا بحاجيات المجال المحلي، سواء تعلق الأمر بالسياحة أو الثقافة أو الخدمات أو تثمين الموارد أو تحسين جاذبية الإقليم.
وبذلك، يسعى المهرجان إلى تقديم صورة مختلفة عن علاقة تازة بالتكنولوجيا، تقوم على فكرة أن المدينة التي تمتلك ذاكرة تاريخية عميقة يمكنها في الوقت نفسه أن تنفتح على أدوات المستقبل.
وستتوج المنافسة بتوزيع جوائز على المشاريع والفرق الفائزة، في خطوة تروم تشجيع الشباب على الابتكار وتحويل الأفكار المرتبطة بالإشكالات المحلية إلى مشاريع قابلة للتطوير.
يحضر التراث المادي بدوره من خلال معرض للصناعة التقليدية والمنتجات المجالية، يهدف إلى إبراز مهارات الصناع والمنتجين المحليين، والتعريف بما تزخر به المنطقة من مؤهلات يمكن أن تشكل جزءاً من الاقتصاد الثقافي والسياحي للإقليم.
كما يحتضن المهرجان معرضاً للفن التشكيلي يجمع فنانين من تازة ومناطق مغربية مختلفة، إلى جانب فنانين من كوت ديفوار.
وتمنح هذه المشاركة الإفريقية للمعرض بعداً إضافياً، إذ يتحول فضاء الفن التشكيلي إلى منصة للتفاعل بين التجارب المغربية والإفريقية، وتبادل الرؤى حول الإنسان والمكان والذاكرة والجمال.
وعلى غرار الدورة الأولى، تحتفظ الفنون الشعبية بمكانتها داخل البرنامج، من خلال عروض التبوريدة ومشاركة فرق فلكلورية تمثل عدداً من المكونات القبلية والثقافية للإقليم، وفي مقدمتها غياثة والتسول والبرانس.
غير أن الرهان هذه المرة لا يقتصر على إعادة تقديم الموروث في صيغته التقليدية، بل يتجه نحو إدخاله في حوار مع أشكال فنية معاصرة، بمشاركة فنانين مغاربة وأفارقة وفرق من جهة بني ملال – خنيفرة.
وهكذا يصبح التراث، وفق هذا التصور، مادة حية قابلة للتجدد والتفاعل، وليس مجرد ذاكرة تستعاد في المناسبات.
ومن أبرز محطات البرنامج الفكري ندوة «تازة… التجربة التي تمدد زمن المباراة»، التي تفتح النقاش حول فرص الاستفادة من الدينامية المرتقبة مع تنظيم المغرب، إلى جانب إسبانيا والبرتغال، لكأس العالم 2030.
وتعرف الندوة مشاركة البطلة الأولمبية المغربية نوال المتوكل إلى جانب عبد المالك الهبيل، لمناقشة الإمكانات التي يمكن أن تتيحها هذه التظاهرة العالمية للمدن والأقاليم غير المستضيفة للمباريات مباشرة.
والسؤال الذي يطرحه المهرجان هنا يتجاوز كرة القدم نفسها: كيف يمكن لمدن مثل تازة أن تستفيد من تدفقات السياح والزوار، ومن الحركية الاقتصادية والثقافية التي يمكن أن ترافق كأس العالم؟
وتتصل الإجابة المحتملة بمؤهلات تازة التاريخية والطبيعية، من المدينة العتيقة والمآثر إلى المنتزهات والمغارات والمواقع الطبيعية، وما يمكن أن توفره من منتجات سياحية وثقافية قادرة على استقطاب الزوار.
ويحجز الأدب مكانه في الدورة الثانية من خلال لقاء يجمع عدداً من الكتاب والمبدعين، من بينهم مصطفى عمي، خالد بن عصمان، نادية البرنوصي، نور الدين بوصفيحة ومصطفى الحساني الإدريسي.
ويشكل اللقاء مناسبة للحديث عن الكتابة والذاكرة والمكان، واستعادة حضور تازة في الإنتاج الأدبي والثقافي، بما ينسجم مع فلسفة المهرجان التي تجعل من الذاكرة مادة لإعادة التفكير في المستقبل.
ويسعى المهرجان إلى نقل النقاش من المجال الثقافي إلى المجال الاقتصادي والتنموي من خلال مائدة مستديرة حول «تازة 2030: أي نموذج للتنمية المستدامة للجهة؟».
وتجمع هذه المائدة ممثلين عن مؤسسات وفاعلين في مجالات الاستثمار والسياحة والتنمية الاقتصادية، من بينهم الشركة المغربية للهندسة السياحية، ووكالة تنمية جهة الشرق، والمركز الجهوي للاستثمار فاس–مكناس، والاتحاد العام لمقاولات المغرب، والجمعية المغربية للمصدرين.
كما يحضر ممثلون عن شبكة الحدائق الجيولوجية الإفريقية التابعة لليونسكو والمنتزه الجيولوجي مكون، بما يفتح النقاش حول إمكانات السياحة المستدامة، وتثمين الموارد الطبيعية والجيولوجية، وربط حماية التراث الطبيعي بخلق فرص اقتصادية لفائدة الساكنة.
وهو نقاش يكتسي أهمية خاصة بالنسبة إلى تازة، التي تتوفر على مؤهلات طبيعية وتراثية متعددة، لكنها تحتاج إلى مزيد من التسويق والتثمين والربط بين مختلف مكونات عرضها السياحي.
ولا تقتصر الدورة الثانية على الأنشطة الفنية والفكرية، إذ يتضمن البرنامج مبادرات ذات بعد اجتماعي، من بينها زيارة منشآت الألواح الشمسية التي أنجزت لفائدة دار الطالب ودار الطالبة، فضلاً عن توزيع هبة من الكتب.
وتعكس هذه المبادرات رغبة المنظمين في جعل الثقافة جزءاً من العمل الاجتماعي، وربط المهرجان بحاجيات المجتمع المحلي وعدم حصر أثره في الفضاءات الاحتفالية.
وسيكون الوفاء لذاكرة أبناء تازة حاضراً من خلال تكريم شخصيات تركت بصمتها في تاريخ المدينة والمغرب، من بينها الراحلان عبد المجيد بلماحي وعزيز بلال، إلى جانب تكريم البطلة الأولمبية المغربية نوال المتوكل.
كما يتضمن البرنامج الاحتفاء بأفضل تلميذ حاصل على شهادة البكالوريا بالإقليم، في رسالة تربط الثقافة والتميز وتشجع الشباب على الاجتهاد والنجاح.
وتتوج فعاليات الدورة الثانية بسهرة فنية تجمع التنشيط الموسيقي وعرضاً للأزياء التقليدية تحت عنوان «معرض تازة للموضة»، إلى جانب الإعلان عن الفائزين في هاكاثون الذكاء الاصطناعي.
وبالنظر إلى مسار المهرجان بين دورته الأولى والثانية، يبدو أن جمعية تازة الكبرى للتنمية تراهن على بناء موعد سنوي يتطور تدريجياً من مهرجان متخصص في الاحتفاء بفن الهيتي والذاكرة اللامادية إلى منصة أوسع تجمع التراث والفنون والأدب والابتكار والسياحة والاستثمار والتنمية المستدامة.
فالدورة الأولى وضعت الأساس من خلال استعادة فن الهيتي، والتعريف بالتراث المحلي، واستضافة السنغال وإقليم السمارة، وتنظيم عروض التبوريدة والمعارض والندوات. أما الدورة الثانية فتوسع دائرة الأسئلة لتشمل الذكاء الاصطناعي ومونديال 2030 والنموذج التنموي والسياحة المستدامة والانفتاح الإفريقي.
وبذلك، لا يعود السؤال المركزي للمهرجان هو فقط: كيف نحافظ على ذاكرة تازة؟، وإنما يصبح أيضاً: كيف نحول هذه الذاكرة إلى مصدر للإبداع والتنمية، وكيف تستطيع تازة أن تعيد ابتكار نفسها دون أن تفقد هويتها؟
وهو رهان يجعل من دورة أكتوبر 2026 اختباراً حقيقياً لقدرة الثقافة على الانتقال من الاحتفال بالماضي إلى المساهمة في صناعة المستقبل.