تتجه الأنظار بإقليم تازة، ابتداءً من صباح غد، إلى انطلاق عملية إيداع الترشيحات برسم الانتخابات التشريعية المقرر إجراؤها يوم 23 شتنبر 2026، في محطة انتخابية يُرتقب أن تكون من أكثر الاستحقاقات إثارة للاهتمام، بالنظر إلى تعدد الأسماء الحزبية المطروحة، ودخول وجوه جديدة إلى السباق في مواجهة أسماء راكمت سنوات من التجربة والحضور في المشهد الانتخابي المحلي.
ووفق المعطيات المتداولة إلى حدود الآن، ستنطلق عملية إيداع الترشيحات على الساعة الثامنة صباحاً بمقر عمالة إقليم تازة، على أن تستمر إلى غاية الساعة الثانية عشرة ظهيرة من يوم 9 شتنبر 2026، لتبقى الخريطة الانتخابية مفتوحة على احتمال ظهور أسماء أخرى، في انتظار استكمال إيداع الملفات ودراسة الترشيحات وفق الآجال والمساطر القانونية المعمول بها.
وتضم اللائحة الأولية المتداولة عدداً من الأسماء التي يُنتظر أن تدخل غمار المنافسة، من بينها خليل صديقي عن التجمع الوطني للأحرار، ومحمد أمغار عن حزب الأصالة والمعاصرة، وحميد كوسكوس عن الحركة الشعبية، ومنير شنتير عن حزب الاستقلال، إلى جانب محمد أجطيو عن الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وأحمد العبادي عن حزب التقدم والاشتراكية، وعمر بالي عن حزب النهضة، وخالد بوقرعي عن حزب العدالة والتنمية، وسعيد الطاهري عن فيدرالية اليسار الديمقراطي.
كما تشمل الأسماء المتداولة محمد البزيزي عن جبهة القوى الديمقراطية، وبدر زروال عن حزب الخضر المغربي، وأمل بن موسى عن حزب الديمقراطيين الجدد، فضلاً عن مصطفى بورايص عن حزب الاتحاد المغربي للديمقراطية، في انتظار ما قد تسفر عنه الساعات المقبلة من ترشيحات جديدة أو تغييرات في الأسماء والترتيبات.
غير أن اللافت في هذه الخريطة الأولية ليس فقط حضور الوجوه القديمة والجديدة، وإنما أيضاً الحضور النسائي المحدود بشكل لافت. فإلى حدود المعطيات المتداولة حالياً، لا تظهر في قائمة الأسماء المرشحة سوى امرأة واحدة، هي أمل بن موسى عن حزب الديمقراطيين الجدد، وهو ما يطرح سؤالاً واضحاً حول موقع المرأة في المشهد السياسي والانتخابي بإقليم تازة.
ففي إقليم يضم كفاءات وفعاليات نسائية في مختلف المجالات، يظل الحضور النسائي في السباق نحو البرلمان محدوداً مقارنة بعدد الأسماء الرجالية المطروحة. فهل يتعلق الأمر فقط بمرحلة أولية من التزكيات والترشيحات، أم أن الأحزاب لم تمنح للنساء المكانة التي تستحقها داخل حساباتها الانتخابية؟
وبما أن عملية إيداع الترشيحات لم تستكمل بعد، يبقى الباب مفتوحاً أمام ظهور أسماء نسائية جديدة خلال الأيام المقبلة، وهو ما قد يغير الصورة الحالية ويمنح المنافسة بعدا أكثر تنوعا
لكن استمرار الخريطة بهذا الشكل سيجعل محدودية التمثيلية النسائية واحدة من أبرز الملاحظات التي تفرض نفسها على انتخابات تازة لهذه السنة.
أما على مستوى الصراع السياسي، فإن اللافت أن المعركة لا تبدو مجرد مواجهة تقليدية بين الأحزاب
بل بدأت تأخذ شكل صراع واضح بين جيل سياسي راكم التجربة، ووجوه جديدة تحاول دخول المؤسسة التشريعية لأول مرة.
فالوجوه المعروفة تدخل هذه المعركة وهي تتوفر على عناصر قوة مهمة، من بينها التجربة الانتخابية، ومعرفة دقيقة بخريطة الإقليم، والعلاقات السياسية والاجتماعية، فضلاً عن شبكات انتخابية تم بناؤها على مدى سنوات.
ومن بين الأسماء التي تحافظ على حضورها البرلماني، خليل صديقي عن التجمع الوطني للأحرار، حميد كوسكوس العائد إلى الساحة للبحث عن مقعد برلماني، منير شنتير، الذي أعاد حزب الاستقلال تزكيته، أحمد العبادي عن التقدم والاشتراكية، إلى جانب خالد بوقرعي، البرلماني السابق، الذي اختاره حزب العدالة والتنمية وكيلاً للائحته. وهي أسماء لا تخوض السباق من نقطة الصفر، بل تدخل المنافسة وهي تحمل معها تجربة سابقة ومعرفة بطبيعة الناخب وخريطة الأصوات.
لكن في الجهة الأخرى، بدأت أسماء جديدة تفرض حضورها، حاملة معها خطاباً يراهن على تجديد النخب وإعطاء فرصة لجيل جديد من السياسيين. ويبرز ضمن هذه الأسماء محمد أجطيو، الذي قدمه حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بتازة كمرشح شاب، في خطوة تعكس توجهاً نحو الدفع بوجوه جديدة إلى الواجهة.
وهنا تطرح الانتخابات سؤالاً يتجاوز الحسابات الحزبية الضيقة: هل أصبح الناخب التازي مستعداً لمنح ثقته لوجوه جديدة
أم أن صناديق الاقتراع ستعيد إنتاج الأسماء التي اعتاد رؤيتها في الاستحقاقات السابقة؟
المهمة بالنسبة للشباب لن تكون سهلة، لأن دخول الانتخابات للمرة الأولى لا يعني بالضرورة القدرة على اختراق الخريطة الانتخابية. فالمرشح الجديد يحتاج إلى أكثر من الحماس والخطاب المختلف؛ يحتاج إلى تنظيم قوي، وحضور ميداني حقيقي، وقدرة على التواصل مع مختلف مناطق الإقليم، وفريق انتخابي يستطيع تحويل التعاطف والشعبية إلى أصوات يوم الاقتراع.
وفي المقابل، فإن الوجوه القديمة ليست بمنأى عن التراجع.
فالتجربة الانتخابية التي كانت في مراحل سابقة مصدر قوة قد تتحول إلى نقطة ضعف إذا شعر الناخب بأن الحضور السياسي الطويل لم ينعكس بالقدر الكافي على حياته اليومية أو على الملفات التي تشغل بال الإقليم.
فالناخب اليوم لا يبحث فقط عن اسم معروف، وإنما عن خطاب مقنع، وحضور فعلي، وقدرة على الدفاع عن قضايا المنطقة، خصوصاً ما يتعلق بالتشغيل، والصحة، والتعليم، والبنيات التحتية، وفك العزلة عن العالم القروي، ودعم الاستثمار وخلق فرص الشغل.
كما أن تعدد الأحزاب والمرشحين، إلى جانب انتقال بعض الوجوه بين التنظيمات السياسية، يجعل الحسابات الانتخابية أكثر تعقيداً، ويفتح الباب أمام تحولات ومفاجآت قد لا تظهر ملامحها إلا مع اقتراب موعد الاقتراع.
ومن الأمثلة على هذا التحول عمر بالي، الذي حصل على تزكية حزب النهضة بعد تجربة سياسية سابقة مع جبهة القوى الديمقراطية، في مشهد يعكس بدوره طبيعة الحراك الذي تعرفه بعض التنظيمات والأسماء مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية.
وبذلك، فإن المعركة في تازة لن تكون فقط صراعاً بين الأحزاب، بل مواجهة بين أكثر من عنوان: الخبرة في مواجهة التجديد، الوجوه المعروفة في مواجهة الوافدين الجدد، وحضور نسائي محدود يطرح بدوره سؤالاً حول مدى قدرة الأحزاب على تجديد تمثيليتها.
لكن السؤال الحقيقي لن يكون من يملك الحضور الأكبر على مواقع التواصل الاجتماعي، ولا من يطلق الخطاب الأكثر جاذبية، وإنما من يستطيع الوصول إلى الناخب في مختلف مناطق الإقليم وإقناعه بالتصويت لصالحه.
فالمعركة الانتخابية تُحسم في الميدان، والشعبية الرقمية، مهما بلغت، لا تكفي وحدها لصناعة نتيجة انتخابية. وفي المقابل، فإن الشبكات الانتخابية التقليدية، مهما كانت قوية، قد تواجه هي الأخرى اختباراً صعباً إذا تغيرت أولويات الناخبين وتنامت الرغبة في التجديد.
لهذا تبدو انتخابات 2026 بإقليم تازة مفتوحة على أكثر من سيناريو. فقد تتمكن الوجوه الجديدة من اختراق المشهد وإحداث تغيير في تركيبة ممثلي الإقليم داخل البرلمان، وقد تنجح الأسماء القديمة في الحفاظ على مواقعها اعتماداً على تجربتها وحضورها الميداني، كما يبقى احتمال ظهور أسماء أخرى، من بينها أسماء نسائية جديدة، قائماً إلى آخر لحظة.
وفي نهاية المطاف، ستبقى الكلمة الفصل للناخب التازي، الذي سيحدد ما إذا كان يريد الاستمرارية أم التغيير وما إذا كان مستعداً لمنح فرصة أكبر للوجوه الجديدة والنساء داخل المشهد البرلماني.
وبين تزكيات الأحزاب، وحسابات المرشحين، والتحركات الميدانية، والانتظارات الاجتماعية والاقتصادية لساكنة الإقليم
تبدو الطريق نحو المقاعد الخمسة مفتوحة على منافسة شديدة، خصوصاً أن كل طرف سيدخل السباق وهو يدرك أن هامش الخطأ سيكون ضيقاً، وأن مفاجآت الصندوق قد تكون أقوى من جميع الحسابات والتوقعات التي تسبق يوم الاقتراع.
ومع استمرار عملية إيداع الترشيحات، ستتضح الصورة أكثر، وقد تحمل الأيام المقبلة أسماء جديدة أو تغييرات في المشهد الحالي، قبل أن تستقر الخريطة النهائية للمتنافسين على مقاعد إقليم تازة.
وفي انتظار ذلك يبقى السؤال مفتوحاً: هل ستنتصر الخبرة الانتخابية أم ستمنح صناديق الاقتراع فرصة حقيقية لجيل جديد من الوجوه السياسية؟
وهل ستظل المرأة مجرد حضور استثنائي في سباق انتخابي يضم هذا العدد من المرشحين؟