تازة تنتظر الإنصاف الصحي من المجموعة الترابية لفاس-مكناس.. هل تكون «ابن باجة» بداية الإصلاح؟

مع انطلاق المجموعة الصحية الترابية لجهة فاس-مكناس في عملها الفعلي ابتداءً من فاتح شتنبر 2026، تتجه أنظار ساكنة إقليم تازة إلى هذا الورش الجديد، أملاً في أن يشكل نقطة تحول حقيقية في واقع الخدمات الصحية بالإقليم، وأن تنتقل وعود الحكامة الجديدة والعدالة المجالية من مستوى الشعارات إلى إجراءات ملموسة داخل المستشفيات والمراكز الصحية.
فبالنسبة إلى تازة، لا يتعلق الأمر بمجرد تغيير في طريقة تدبير القطاع الصحي أو بإحداث بنية إدارية جديدة، وإنما بانتظارات متراكمة لساكنة ظلت، لسنوات، تطالب بتحسين جودة الخدمات الصحية، وتعزيز الموارد البشرية، وتوفير التخصصات الطبية، وتقوية التجهيزات، والارتقاء بخدمات المستعجلات، بما ينسجم مع حاجيات إقليم يضم مناطق حضرية وقروية وجبلية واسعة.
وتكتسي هذه المرحلة أهمية خاصة بالنظر إلى أن المجموعة الصحية الترابية لجهة فاس-مكناس ستتولى تدبير منظومة صحية واسعة تضم عمالتي فاس ومكناس وأقاليم تازة وتاونات وصفرو والحاجب وإفران وبولمان ومولاي يعقوب، بما مجموعه 19 مستشفى عمومياً وأكثر من 420 مركزاً صحياً.
ويرأس هذه المجموعة البروفيسور عبد الكريم الداودي، الذي سيكون أمام تحدٍ كبير يتمثل في ترجمة فلسفة الإصلاح الصحي إلى خدمات يشعر المواطن بآثارها بشكل مباشر.
إذا كانت العدالة المجالية واحدة من أبرز الأهداف المعلنة للمجموعات الصحية الترابية، فإن إقليم تازة يبدو من المناطق التي يفترض أن تستفيد بشكل واضح من هذا المبدأ.
فالعدالة الصحية لا تعني فقط أن تكون هناك مؤسسة استشفائية داخل الإقليم، وإنما أن تكون هذه المؤسسة قادرة فعلياً على تقديم خدمات علاجية متكاملة، وأن تتوفر على الموارد البشرية والتجهيزات والتخصصات التي تمكنها من أداء وظائفها، وأن تكون لها علاقة واضحة ومنظمة بالمستشفيات المرجعية والجامعية بالجهة.
وتزداد أهمية هذا الأمر بالنسبة إلى تازة بسبب موقع الإقليم وبعد عدد من جماعاته ومناطقه القروية والجبلية عن المراكز الاستشفائية الكبرى، وهو ما يجعل أي نقص في الخدمات المحلية ينعكس مباشرة على المرضى وأسرهم من خلال التنقل نحو فاس أو مكناس، وما يرافق ذلك من تكاليف مالية ومشقة جسدية ونفسية.
ولعل أبرز مؤسسة ستتجه إليها الأنظار مع بداية عمل المجموعة الجديدة هي المركز الاستشفائي الإقليمي ابن باجة بتازة.
فهذا المستشفى يمثل بالنسبة إلى آلاف المواطنين الواجهة الأساسية للقطاع الصحي بالإقليم، وبالتالي فإن تحسين وضعه سيكون بمثابة مؤشر عملي على مدى قدرة المجموعة الصحية الترابية على تحقيق أهدافها.
وتنتظر الساكنة أن تنعكس الحكامة الجديدة على مستوى الخدمات اليومية داخل المستشفى، سواء تعلق الأمر بالمستعجلات، أو المواعيد، أو العمليات الجراحية، أو الفحوصات الطبية، أو المختبرات، أو التصوير الطبي، أو توفير الأدوية، أو ظروف استقبال المرضى ومرافقيهم.
كما تبرز الحاجة إلى تعزيز الموارد البشرية وتوفير التخصصات الطبية الضرورية، بما يقلص الحالات التي تضطر إلى التوجه نحو فاس أو مكناس بحثاً عن خدمات علاجية غير متوفرة محلياً.
ولا يمكن الحديث عن إصلاح حقيقي للمنظومة الصحية دون التوقف عند الموارد البشرية.
فالمستشفى، مهما بلغت جودة بنيته وتجهيزاته، لا يستطيع تقديم خدمة صحية في المستوى المطلوب من دون أطباء وممرضين وتقنيين وأطر إدارية كافية، تعمل في ظروف مهنية مناسبة وتضمن استمرارية الخدمات.
وقد سبق لمهنيي الصحة بتازة أن أثاروا، في مناسبات مختلفة، إشكالات مرتبطة بالخصاص في بعض المصالح والضغط المهني، وهو ما يجعل ملف الموارد البشرية من بين الملفات التي ستحتاج إلى معالجة جادة في المرحلة الجديدة.
وهنا سيكون على المجموعة الصحية الترابية أن تنتقل من منطق تدبير الخصاص إلى منطق التخطيط الاستراتيجي للموارد البشرية، عبر تحديد حاجيات كل مؤسسة وتوزيع الأطر وفق حجم السكان وطبيعة الخدمات والخصوصيات الجغرافية لكل إقليم.
ومن أهم الانتظارات التي يمكن أن تطرحها تازة في ظل النموذج الجديد، إعادة النظر في طريقة تنظيم العلاقة بين المستشفى الإقليمي ابن باجة والمستشفيات الجهوية والجامعية، خصوصاً بفاس ومكناس.
فالمطلوب أن تصبح الإحالة الطبية جزءاً من مسار علاجي منظم، وليس نتيجة لغياب الإمكانيات محلياً.
كما أن تطوير التعاون بين المؤسسات يمكن أن يفتح المجال أمام تنظيم قوافل وتخصصات طبية منتظمة، وتعزيز التكوين المستمر للأطر، والاستفادة من خبرات المراكز الجامعية، وربما تطوير خدمات استشفائية متخصصة داخل الإقليم بحسب الحاجيات والإمكانات.
وبعبارة أخرى، المطلوب ليس فقط نقل مرضى تازة إلى فاس، وإنما نقل جزء من الخبرة والتخصص والخدمة إلى تازة متى كان ذلك ممكناً.
ولا ينبغي أن ينحصر الاهتمام في مستشفى ابن باجة وحده.
فنجاح المجموعة الصحية الترابية يمر أيضاً عبر إعادة الاعتبار للمراكز الصحية المنتشرة بمختلف جماعات الإقليم، باعتبارها خط الدفاع الأول عن صحة المواطنين.
فكلما كانت الرعاية الصحية الأولية قوية، كلما أمكن تشخيص عدد أكبر من الحالات في وقت مبكر، وتتبع الأمراض المزمنة، وتوجيه المرضى بالشكل الصحيح، والتقليل من الضغط على المستعجلات والمستشفى الإقليمي.
وهنا يمكن للمجموعة الجديدة أن تلعب دوراً مهماً في توحيد مسارات العلاج وربط المراكز الصحية بالمستشفى الإقليمي والمستشفيات المرجعية، بما يجعل المواطن يعرف إلى أين يتوجه ومتى وكيف، بدل أن يجد نفسه أمام مسار علاجي متشعب ومكلف.
الرسالة التي يمكن أن تحملها انتظارات ساكنة تازة بسيطة وواضحة: لا أحد يطالب بامتياز خاص، وإنما بتطبيق فعلي لمبدأ العدالة المجالية في الولوج إلى العلاج.
فالمواطن في تازة له الحق نفسه في الحصول على خدمة صحية لائقة، وعلى العلاج في ظروف تحفظ كرامته، وعلى مستشفى يتوفر على الأطر والتجهيزات الضرورية، وعلى منظومة إحالة فعالة عندما تستدعي حالته الانتقال إلى مؤسسة أكثر تخصصاً.
ومن هنا، فإن نجاح المجموعة الصحية الترابية لن يقاس بعدد الاجتماعات التي ستعقدها أو الهياكل الإدارية التي ستحدثها، وإنما بما سيحدث داخل المستشفى والمركز الصحي، وبما سيشعر به المواطن عندما يدخل لتلقي العلاج.
لقد أعلنت الحكومة أن ورش المجموعات الصحية الترابية يرمي إلى إرساء حكامة صحية جديدة، وتقوية التنسيق بين مختلف مستويات الرعاية، وتحقيق العدالة المجالية في الولوج إلى الخدمات الصحية.
وبالنسبة إلى تازة، فإن فاتح شتنبر 2026 سيكون موعداً لبداية اختبار حقيقي لهذه الوعود.
فهل ستنجح المجموعة الصحية الترابية لجهة فاس-مكناس في جعل إقليم تازة يستفيد فعلياً من موقعه داخل المنظومة الصحية الجهوية؟
وهل ستتمكن من إعادة ترتيب الأولويات داخل المركز الاستشفائي ابن باجة، وتعزيز موارده البشرية، وتقوية تخصصاته، وتحسين مستعجلاته، وتطوير تجهيزاته، وربط خدماته بشكل أكثر فعالية بالمراكز الاستشفائية الجامعية؟
وهل ستصل آثار هذا الإصلاح إلى المواطن في القرى والمناطق الجبلية النائية، وليس فقط إلى المؤسسات الكبرى داخل المدن؟
فإذا تحولت المجموعة الصحية الترابية إلى آلية فعلية لتقريب العلاج، وتوزيع الموارد بعدالة، وتقوية المستشفى الإقليمي، وتحسين الرعاية الصحية الأولية، فإن فاتح شتنبر قد يكون بالفعل بداية مرحلة جديدة.
أما إذا بقيت تازة تعاني من الخصاص نفسه، واضطر مرضاها إلى مواصلة التنقل نحو فاس ومكناس بحثاً عن تخصصات أو خدمات يفترض أن تكون متاحة في ظروف أفضل، فإن تغيير الهيكلة الإدارية وحده لن يكون كافياً.
تازة اليوم لا تنتظر مجرد مجموعة صحية ترابية جديدة، بل تنتظر إنصافاً صحياً طال انتظاره.. وتنتظر أن يكون «ابن باجة» أحد العناوين الأولى لهذا الإصلاح.



