
عمار قشمار
حينما تخلع جبال الأطلس المتوسط والريف رداء الشتاء الأبيض لتكتسي بحلة خضراء زاهية، وتفوح رائحة “الزهر” المقطر في أزقة “تازة العليا” العتيقة، تعلن منطقة تازة عن ميلاد فصل جديد ليس فقط في الطبيعة، بل في الموائد أيضاً. هنا، في ممر “تازة” الاستراتيجي، تتربع أكلة “التلتولة” على عرش الأطباق الربيعية، لتختزل في مكوناتها البسيطة تاريخاً طويلاً من التشبث بالأرض وعبقرية الطبخ الشعبي.
“مغبر ضهرو”.. حين يتوج الشعير حبات الفول
لا تُذكر “التلتولة” إلا ويُذكر معها لقبها الشعبي الطريف “مغبر ضهرو” (المغبر ظهره). وتعود هذه التسمية إلى المشهد الجمالي للطبق، حيث تلتصق حبات “البلبولة” (دقيق الشعير المفتول) بحبات الفول الأخضر المبخر، وكأنها ذرات غبار بيضاء ناعمة غطت ظهر الفول الأخضر الزاهي.
تعتمد هذه الأكلة في جوهرها على ثنائية “الشعير والفول”، وهما المحصولان اللذان يشكلان عصب الحياة الزراعية في قبائل “غياثة”، “البرانس”، و”تسول” و”الريف” و”بني واراين” المحيطة بتازة. ففي الوقت الذي يكون فيه الفول في أوج طراوته، والشعير قد استوى في المخازن، تجتمع النسوة لتحويل هذه الخيرات إلى وجبة صحية متكاملة، تخلو من اللحوم والدهون المصنعة، وتعتمد كلياً على “الذهب السائل” للمنطقة: زيت الزيتون البكر.
طقوس التحضير: صبرٌ يثمر نكهة
ليست “التلتولة” مجرد خلط للمكونات، بل هي طقس يتطلب مهارة يدوية توارثتها الأجيال. تبدأ العملية بـ “فتل” البلبولة وترطيبها بالماء والملح، ثم وضعها في “الكسكاس” لتتبخر فوق قدر يغلي. وفي مرحلة موازية، يُقطع الفول الأخضر بقشوره الطرية إلى قطع صغيرة ويُبخر هو الآخر حتى يلين دون أن يفقد لونه الربيعي.
يقول الحاج “أحمد”، أحد أعيان المنطقة: “سر التلتولة ليس في النار، بل في اليد التي تمزجها. بعد التبخير، تُمزج البلبولة والفول في ‘قصعة كبيرة، ويُصب فوقها زيت الزيتون التازي القوي النكهة. يجب أن تُقلب المكونات وهي ساخنة حتى تتشرب كل حبة شعير عبق الزيت ونداوة الفول”.
مائدة الجماعة ورمزية الهوية
تُقدم “التلتولة” عادة في “قصعة” واحدة، تعبيراً عن روح الجماعة التي تميز المجتمع التازي. ورغم دخول الملاعق العصرية، إلا أن الكثير من العائلات لا تزال تفضل تناولها باليد، في حركة تعيد الوصل مع التراث الأمازيغي والعربي الأصيل للمنطقة.
أكثر من مجرد طبق.. إرثٌ يقاوم النسيان
في ظل غزو الوجبات السريعة، تظل “التلتولة” ومعها أطباق أخرى مثل “المدقوقة الغياتية” و”الخبزة واللبزة”، حصناً منيعاً للهوية الثقافية التازية. إنها ليست مجرد وجبة لسد الجوع، بل هي “روبورتاج” حي يروي حكايات الأجداد الذين عرفوا كيف يستخلصون من قسوة الجبال وبساطة الحقول موائد تضاهي في قيمتها الصحية والجمالية أرقى المطابخ العالمية.
ومع انطلاق “موسم الزهر” في تازة وتفتح أزهار جبل “تازكة”، تظل رائحة “التلتولة” المنبعثة من البيوت التازية دعوة مفتوحة لكل زائر لاكتشاف عمق المغرب المنسي في تفاصيل طبق بسيط، لكنه مثقل بالتاريخ.




