مع حلول شهر ذي الحجة واقتراب عيد الأضحى المبارك، تتغير ملامح عدد من أحياء وأزقة ودروب مدينة تازة، حيث ترتدي المدينة حلة خاصة تمتزج فيها الأجواء الدينية بروح التكافل الاجتماعي والحركية الاقتصادية التي تميز هذه المناسبة السنوية. فالعيد، إلى جانب رمزيته الدينية العميقة، يشكل موعدا تنتعش فيه العديد من الحرف والمهن الموسمية التي توفر مورد رزق مؤقتا لفئات واسعة من المواطنين، خاصة الشباب وذوي الدخل المحدود.
ومنذ الأيام الأولى من شهر ذي الحجة، تبدأ الحركة تدب بقوة في الأسواق والأحياء الشعبية، حيث تنتشر الخيام البسيطة والعربات الصغيرة التي تعرض مختلف المستلزمات المرتبطة بالعيد، من فحم الشواء والأعلاف، إلى مواقد الطين والفخار والسكاكين وأدوات تنظيف الأضاحي.
وفي جولة قامت بها جريدة “تازاسيتي” بعدد من أحياء المدينة، بدا واضحا حجم الإقبال على خدمات شحذ السكاكين بالطرق التقليدية، وهي مهنة موسمية تعود للواجهة كل سنة تزامنا مع الاستعداد لعيد الأضحى. ويحرص عدد من الحرفيين على نصب معداتهم البسيطة قرب الأسواق والدروب الشعبية، مستفيدين من الطلب المتزايد على تجهيز أدوات الذبح.
ولا يقتصر الأمر على شحذ السكاكين فقط، بل تشهد تجارة الفحم الأسود، المعروف محليا بـ”الفاخر”، رواجا كبيرا، خاصة فحم “الليمون” الذي يفضله المواطنون لشواء اللحوم ورؤوس الأضاحي. وتنتشر أكوام الفحم داخل خيام صغيرة وعلى جنبات الطرق، في مشهد موسمي أصبح جزءا من طقوس العيد بمدينة تازة.
وفي هذا السياق، يقول عبد اللطيف، وهو بائع فحم موسمي، إن هذه الفترة تعتبر فرصة مهمة لتحسين الدخل، مؤكدا أن الإقبال يزداد بشكل ملحوظ كلما اقترب يوم العيد، خاصة على فحم “الليمون” الذي يعد الأكثر طلبا لدى الأسر التازية.
وأضاف المتحدث ذاته أن عددا من الشباب يلجؤون خلال هذه المناسبة إلى امتهان بيع الفحم بشكل مؤقت، سواء عبر نقاط بيع عشوائية أو من خلال محلات صغيرة تعرض “الفاخر” إلى جانب سلع أخرى مرتبطة بالعيد.
كما تعرف مواقد الفحم المصنوعة من الطين والفخار إقبالا متزايدا، إلى جانب الشوايات الحديدية والكهربائية التي تعرضها المحلات التجارية والأسواق الأسبوعية، فضلا عن الأعلاف الخاصة بالأضاحي والأواني البلاستيكية المستعملة في غسل وتنظيف الأضحية.
ومن المظاهر التي تطبع عيد الأضحى بمدينة تازة أيضا، إقبال شباب في مقتبل العمر على تقديم خدمات موسمية متنوعة، كطحن التوابل، وبيع القضبان الحديدية الخاصة بالشواء، ونقل الأضاحي بواسطة دراجات “التريبورتور”، إضافة إلى بيع الخضر والفواكه التي تعرف بدورها رواجا كبيرا خلال هذه المناسبة.
ويشكل يوم العيد بدوره فرصة إضافية لتحقيق دخل بسيط، حيث يعرض العديد من الشباب خدمات شواء رؤوس الأضاحي مقابل مبالغ تتراوح عادة ما بين 10 و15 درهما للرأس الواحد، في حين يجد ممتهنو نحر وسلخ المواشي فرصة لتقديم خدماتهم للأسر التي تفضل الاستعانة بأصحاب الخبرة في عملية الذبح والسلخ.
ورغم أن هذه المهن والحرف الموسمية لا تدوم سوى أيام معدودة، إلا أنها تمثل بالنسبة لكثير من الأسر المعوزة والشباب العاطل عن العمل متنفسا اقتصاديا ومصدرا للدخل، يساعدهم على مواجهة متطلبات الحياة واقتناء الحاجيات الضرورية التي تزداد خلال عيد الأضحى المبارك.
وهكذا، يظل عيد الأضحى بمدينة تازة أكثر من مجرد مناسبة دينية، إذ يتحول إلى موسم اجتماعي واقتصادي يعيد الحياة إلى عدد من الحرف التقليدية والأنشطة الموسمية، ويمنح فرصا مؤقتة للعمل والرزق لفئات واسعة من المجتمع، في مشهد يعكس عمق التضامن والتكافل الذي يميز المجتمع المغربي خلال هذه المناسبة المباركة.