عزيز توزاني
في الهند، نسبة الطلاق شبه منعدمة، بحيث تصل 1% فقط، وهذا لا يعني أن الزواج أنجح بالضرورة، بل لأن الطلاق أصعب اجتماعيا من الزواج نفسه، ومن بين الأسباب التي ساهمت في هذه النسبة المنخفضة، الضغط الاجتماعي التي يعيشه المتزوجون، بحيث يعتبر الطلاق في الهند وصمة اجتماعية خاصة للمرأة، فالمطلقة قد تقصى اجتماعيا وعائليا، وتحرم من فرصة الزواج مرة ثانية وحتى من العمل، لذلك يفضل الكثير من الأزواج الاستمرار في زواج فاشل بدل الطلاق ..
للعائلة سلطة اختيارية وتقديرية وتقريرية كبيرة، فهي من تختار الزوج أو الزوجة، وهي من تقرر الزواج من عدمه، وهي من تتكقل بكل ما يتعلق بترتيبات الاعراس، وهي من تتدخل لإصلاح المشاكل وإيجاد حلول في حالة نشوب مناوشات بين الزوجين، ففشل الزواج في الهند لا يعني فشل الزوجين في تدبير حياتهما الزوجية، بل يعني بشكل مياشر فشل العائلتين ..
الزواج في هذا البلد يصاحبه تخوف كبير من الطلاق، تخوف يسكن المرأة بشكل أكبر من الرجل ، فنسبة كبيرة من النساء غير مستقلات عمليا وماليا، والطلاق بالنسبة لهن يشكل خطر اقتصادي حقيقي يعادل الضياع والفقر، ثم من المنظور الديني، وباعتبار الهند بلد متنوع دينياً، فبعض الديانات والتيارات تعتبر الطلاق شبه محرّم أخلاقيا، وتقدم الصبر في العلاقة الزوجية كقيمة عليا، وبديل للطلاق، لهذا نجد انخفاض نسبة الطلاق في الهند يرافقها بشكل مباشر انخفاض منسوب السعادة الزوجية، وارتفاع القدرة على التحمل والقمع الاجتماعي ..
في اسبانيا، العكس تماماً، وحسب آخر الإحصائيات تصل نسبة الطلاق الى 85%، وهذا راجع بشكل أساسي الى الحرية الكبيرة التي يتمع بها الشعب الإسباني، والاستقلالية المالبة والعملية التي يحضى بها، وانعدام الضغط الاجتماعي، والتحرر من الدينانات والعادات والتقاليد، إضافة الى التسهيلات القانوية والإجرائية، فالطلاق سريع وبسيط ولا يحتاج لمبررات ثقيلة، فإذا انتهى الحب، ينتهي الزواج ..
الاسبانية لا تخشى الطلاق، ولا تعتبره فضيحة ولا عار، فالاستقلالية الاقتصادية للمرأة تجعلها قادرة مادياً على العيش وحدها، لا حاجة لها بالعيش في كنف عائلتها ولا تحت مسؤوليتها، ولا بحاجة للبقاء في علاقة مؤذية أو باردة، والشعب الإسباني مقتنع تماماً ان الزواج هو اختيار عاطفي شخصي، لم يعد إلتزاماً أبدياً، وإذا فشلت هذه العلاقة الزوجية فالانفصال هو الحل الطبيعي، كما هو مقتنع ان سعادته الشخصية مقدمة عن سعادة العائلة، ومتحرر من كل ما هو اجتماعي، او صورته داخل المجتمع المحيط به، وعلى ماذا سيقول الناس في حالة الطلاق، لهذا ارتفاع نسبة الطلاق في إسبانيا هي ترجمة حقيقة للحرية وانعدام الخوف من الطلاق أكثر مما يخافون من التعاسة الفردية ..
في المغرب، لا توجد نسبة طلاق معلنة رسمياً، لكن اذا قارنا عدد عقود الزواج مع عدد احكام الطلاق المعلنة سنوياً، سنحصل على نتيجة تعادل 50% كنسبة طلاق، هي نسبة متوسطة على العموم، لكنها في تزايد مستمر مع مرور السنوات، خصوصا مع تطور القوانين الوضعية، والاجتهادات في مدونة الاسرة ..
وقوف المغرب بين عالمين، تقليدي وحديث، حضور ديني غير خانق، فيه الطلاق مكروه لكنه مباح، بحيث ان الازواج يحاولون الصبر، لكنهم يستحملون إلى حدود معينة و في غالبيتها معقولة، ضغط اجتماعي متوسط يتسم بالحساسية في موضوع الطلاق خاصة بالنسبة للمرأة، لكنه لم يعد فضيحة كما في السابق ..
تحسن نسبي في استقلالية المرأة، ارتفاع نسبة النساء العاملات والمستقلات مادياً، والقادرات على اتخاد قرار الانفصال رغم صعوبته في أحيان كثيرة، خصوصا عند تصادم عقليتين مختلفتين في التفكير، عقلية أنثوية عصرية تريد شراكة حديثة مع عقلية ذكورية تريد شراكة تقليدية، تصادم نتيجته الحتمية اما التكيّف مع واقع الحال وتنازل أحد الأطراف، إما الطلاق ..
كل هذه الأسباب جعلت نسبة الطلاق في المغرب ترتفع الى حدود 50%، مغرب رزين ووسطي، لا يمنع الطلاق بقوة الهند ولا يسهّله بحرية إسبانيا ..