مجتمع

“معامل الحفرة”: عمال الخياطة في المغرب.. استغلال بشع وأجور تحت خط الفقر بتازة

عمار قشمار
في الوقت الذي يُعد فيه قطاع النسيج والألبسة في المغرب قاطرة اقتصادية توظف أكثر من 180 ألف شخص وتدر ملايين اليوروهات من التصدير، يعيش الآلاف من عمال وعاملات هذا القطاع، خاصة في المدن الصناعية الكبرى مثل طنجة والدار البيضاء، واقعاً مريراً من الاستغلال البشع وانتهاكاً صارخاً لقانون الشغل، وهو ما يثير تساؤلات حول دور الحكومة وهيئات المراقبة في حماية هذه الفئة الهشة.
60% يتقاضون أقل من الحد الأدنى للأجور
تؤكد تقارير حقوقية ونقابية أن الظروف التي يعمل فيها عمال الخياطة في المغرب، والتي يصفها البعض بـ “معامل الحفرة”، تتسم بالوحشية وتجاهل أبسط الحقوق. ومن أبرز هذه الانتهاكات:
1. تدني الأجور: كشف تقرير صادر عن مؤسسة “SETEM Catalunya” الإسبانية وجمعية “التواصل” المغربية أن ما يصل إلى 60% من العاملين في مصانع النسيج بطنجة يتقاضون أجوراً تقل عن الحد الأدنى القانوني للأجور (SMIG) المعمول به في المغرب. هذا التلاعب بالأجور يمثل “سرقة” موصوفة لجهد العمال، ويضعهم تحت خط الفقر رغم ساعات العمل الطويلة.
2. العمل في الخفاء: يشير التقرير إلى أن نسبة كبيرة من العمال، تصل إلى 36%، يعملون في الخفاء دون تصريح من رب العمل لدى السلطات. هذا يعني حرمانهم من التغطية الصحية، والضمان الاجتماعي (CNSS)، وأي شكل من أشكال الحماية الاجتماعية، مما يجعلهم عرضة للطرد التعسفي والاستغلال المفرط.
3. انتهاك ساعات العمل: يعاني العمال من الإرهاق الشديد نتيجة ساعات العمل الطويلة التي تتجاوز الحد القانوني، وغالباً ما تشمل العمل في عطل نهاية الأسبوع دون تعويض مناسب أو راحة كافية، في مخالفة واضحة لمقتضيات مدونة الشغل المغربية.
4. ظروف عمل غير صحية: يضطر العمال إلى العمل في أماكن ضيقة، حارة، ومظلمة، تفتقر إلى أدنى شروط السلامة والصحة المهنية، مما يعرضهم لمخاطر صحية جسيمة.
غياب المراقبة وتجاهل القانون
شكاوى كثيرة يقدمها المستخدمون حول القانون الذي لا يطبق عليهم، تلامس جوهر المشكلة. فرغم وجود مدونة شغل متقدمة نظرياً، إلا أن ضعف المراقبة من قبل مفتشية الشغل، وتغاضي بعض الجهات المسؤولة، يسمح لأرباب العمل بالاستمرار في انتهاك حقوق العمال دون رادع.
هذا التغاضي يخدم نموذجاً اقتصادياً يعتمد على الأيدي العاملة الرخيصة لضمان تنافسية المنتجات المغربية في الأسواق الدولية، خاصة الأوروبية، حيث تُصنع ملابس علامات تجارية عالمية في هذه المصانع بأثمان زهيدة على حساب الكرامة الإنسانية للعمال.
وتتجسد هذه المعاناة بشكل خاص في المدن الداخلية مثل تازة، حيث يضطر العمال والعاملات في الحي الصناعي إلى القبول بأجور زهيدة لا تتناسب مع المجهود المبذول، وغالباً ما يتم توظيفهم عبر عقود الوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل والكفاءات (أنابيك – ANAPEC). هذه العقود، التي يفترض أن تكون وسيلة للإدماج المهني، تتحول في كثير من الأحيان إلى غطاء قانوني لتوظيف العمال بشروط هشة وأجور متدنية، مما يرسخ حالة الاستغلال ويجعلهم الحلقة الأضعف في سلسلة الإنتاج.
إن استمرار هذا الوضع يمثل وصمة عار على قطاع حيوي، ويؤكد أن هناك فئة واسعة من المواطنين “واكلين ناس بزاف” (يتم استغلالهم بشدة) في صمت، وهو ما يتطلب تدخلاً حكومياً عاجلاً لتفعيل آليات المراقبة وتطبيق القانون بحزم، لضمان حقوق العمال وكرامتهم، بعيداً عن منطق الربح السريع على حساب الإنسان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى