لم يعد الفايسبوك مجرّد فضاء افتراضي لتبادل الصور والآراء الخفيفة، بل تحوّل إلى منبر واسع ينقل صوت المدينة ويعكس نبض ساكنتها. ومن أكثر المواضيع حضوراً في هذا الفضاء قضية التهميش، التي صارت مادة يومية لمدونين يكتبون بحماسة، بصدق، أو أحياناً بحسابات غير بريئة.
من يتتبع هذه التدوينات يلاحظ تعدداً في المنطلقات والغايات. هناك مدونون يتحدثون من قلب المدينة، يرصدون تفاصيلها اليومية: شارع مظلم، مرفق عمومي متوقف، أو فضاء مهمل. هؤلاء يشكلون صوت المواطن البسيط، خطابهم أقرب إلى الشكوى لكن يحمل بين السطور رغبة في الإصلاح.
وفي المقابل، نجد أصواتاً تأتي من الأحياء الهامشية وضواحي المدينة، حيث التهميش واقع ملموس وليس مجرد عنوان. هؤلاء يكتبون بحرقة عن غياب المرافق الرياضية والثقافية، عن معاناة الشباب مع البطالة، وعن طرقات غير صالحة أو وسائل نقل متهالكة. صرخاتهم لا تترك مجالاً للتأويل، فهي صادرة من قلب المعاناة.
لكن المشهد لا يخلو من مدونين آخرين يستعملون خطاب التهميش كورقة سياسية. البعض منهم يلوّح بمعاناة الساكنة ليصفّي حساباته مع خصوم انتخابيين، أو ليكسب تعاطفاً جماهيرياً في أفق استحقاقات قادمة. في هذه الحالات، يختلط الصدق بالدعاية، ويصبح من الصعب على المتلقي أن يفرّق بين الغيرة على المدينة والمصلحة الشخصية.
وبين هذا وذاك، يظل هناك مدونون مستقلون، شباب أو مثقفون، يكتبون بعيداً عن أي خلفيات انتخابية، مدفوعين فقط بغيرتهم على مدينتهم ورغبتهم في رؤية أوضاعها تتحسن. هؤلاء غالباً ما يكتسبون مصداقية لدى المتابعين، لأن خطابهم خالٍ من الحسابات، ولأن الناس تميّز بسهولة بين التدوينة الصادقة وتلك التي تحمل رائحة السياسة.
يبقى السؤال الجوهري: هل النقاش الفايسبوكي حول التهميش يُنتج وعياً جماعياً قادراً على الضغط من أجل التغيير، أم أنه مجرد مساحة للتنفيس وزيادة الإحباط؟ الجواب يتوقف على قدرة الجميع، مدونين ومسؤولين وفاعلين مدنيين، على تحويل هذا الزخم الافتراضي إلى فعل واقعي يخدم المصلحة العامة. فالمدينة لا تحتاج إلى مزيد من الصراعات الكلامية، بقدر ما تحتاج إلى تكاثف الجهود حتى لا يبقى التهميش مجرد شعار يتكرر، بل قضية تجد طريقها نحو الحل.
“بين الصرخة الصادقة والحسابات الضيقة، يبقى التحدي هو أن يتحول التدوين حول التهميش من كلام فيسبوكي إلى فعل ميداني يغيّر واقع المدينة.”