مُحمّد تْشِيشْ ٱلتّازي: باحِث وكاتِب في ٱلتّراث وٱلتّاريخ
تُعتَبَرُ بابُ ٱلشريعةِ أَحَدَ أبوابِ مَراكُشَ ٱلتي عُرِفَتْ مُنْذُ ٱلتاريخِ ٱلمُبَكِّرِ، وكانتْ تَنْفُذُ إلى مُصَلَّى ٱلعِيدَيْن. ومَعلومٌ أنَّ موْضِعَ ٱلشريعةِ في تَعابِيرِ ٱلفُقَهاءِ ٱلمُسْلِمِين يَعْنِي ٱلمُصَلَّى، أيْ مَكانَ إقامةِ صَلاةِ ٱلعِيدَيْن، ٱلتي تَكُون عادةً طاهِرَ ٱلمدينةِ.
(“المَنُّ بٱلأمانة”، ص 214، ٱبنُ صاحِب ٱلصَّلاة).
أمّا ٱلمعْلوماتُ ٱلخاصّةُ ببابِ ٱلشّريعةِ بمَراكُشَ، فهيَ قلِيلةٌ. وأقْدَمُ هذه ٱلمعْلوماتِ ما ذَكَره ٱلبيذَقُ في مُذكِّراته ٱلتي تَشهَدُ بوُجودِ بابٍ بهذا ٱلإسْمِ مُنذُ عهْدِ ٱستِيلاءِ ٱلموَحِّدِينَ على ٱلمدينةِ سَنَة 541ه/1146م.
(“الإسلامُ في ٱلمَغْرب وٱلأندلُس”، ص 78 – لِيفي بْرُوفانْسال، ط 1917)
يَرتبِط إسمُ “#بابُ_ٱلشَّريعةِ” في تاريخ مدينة مَراكُش ببابيْن، ٱلأوّل مِنهُما مُرابِطيّ وٱلثاني مُوَحِّديّ.
أمّا بابُ ٱلشّريعةِ ٱلمُرابِطيِّ، فقدْ كانَ باباً رئيساً للجِهةِ ٱلجَنوبيةِ ٱلغَرْبيةِ مِن ٱلمدينةِ مُنذُ زمَنِ ٱلمُرابِطِينَ. حيْث تَزامَنَ بِنَاؤُه مع بِنَاء سُورِ ٱلمدينةِ، وكانَ يَقَعُ قُرْبَ زاوِيّةِ ٱلأسوارِ غَرْبَ بابِ ٱلرُّبِّ مباشَرةً؛ فتَمَّ نقْلُه إلى ناحيةٍ أبْعَدَ مِن ٱلجِهةِ ٱلجَنوبيةِ؛ ثُمَّ وقَعَ هدْمُه في سَنَة 579 هِجْرية/1183 ميلادية، على عهْدِ أبو يعْقوب ٱلمَنصور يوسُف بن عبْد ٱلمُؤمِن بن علي ٱلمُوَحِّديّ (حكم 558ه-580ه/1184م-1162م)، وذلك لإقامة سُورٍ آخَرَ وبِنَاءِ حوْمةِ أڭادير ٱلمُوَحِّدِيّةِ ٱلمعْروفةِ ٱليوْمَ بسِيدِي مِيمُون. فقدْ ذكَرَ ٱبنُ عِذاري ٱلمَراكُشي (ت 712ه/1312م) في بابِ ذِكْرِ ٱلسبَبِ في توْسِعةِ مَرَّاكشَ “وذلك لمّا دانَتْ لأمِير ٱلمؤْمِنين ٱلمَغربُ وٱلأندَلسُ وإفريقيةُ … ٱنجَلى ٱلناسُ إلى مَرّاكُش مِن كلِّ مَكانٍ … فضَاقتْ بٱلناس، فلمْ يَجِدُواْ موْضِعاً للبِنَاء ولا مَحلاًّ للسُّكْنى، وكان ٱلأميرُ أبو يعْقوب أَمَرَ ٱلقبائلَ هسْكورةَ وصُنْهاجةَ أنْ يَرتحِلواْ مِن بلادهم إلى سُكْناها بأهْلِهم وبَنيهم، فٱمْتثَلواْ ذلك ووَصَلواْ ولمْ يَجِدُواْ حيْث يَنْزِلون، فشَكَوْاْ ضيْقَتَهم وحَيْرتَهم، فنَظَرَ أميرُ ٱلمُؤْمِنينَ في ذلك، فركَّبَ ٱلسيِّدُ ٱلمنْصورُ ٱبنَه أوَّلَ ربيع ٱلآخر ومَعه شُيوخُ ٱلمُوَحِّدِين وعُرَفاءُ ٱلبَنَّائِين يَنْظُرون تحتَ نظَره حيْث يكُون هذا ٱلإتِّساعُ وٱلأمْرُ ٱلمُطاعُ، فٱتَّفقَ رأيُهم على زيادة مدينةٍ متّصلةٍ مِن جِهةِ ٱلقِبْلةِ، فرَجَعواْ إلى ٱلخليفةِ وأعلَموه بذلك، فرَأى رأْيَهم وأمضَى سعْيَهم وأمَرَ … بهَدْمِ ٱلسُّورِ ٱلقديمِ بجِهةِ بابِ ٱلشّريعةِ …” (“البَيَان ٱلمُغْرِب … قِسْم ٱلمُوَحِّدِين”، ص 153-154)، ومُنذُ ذلك ٱلحِينِ سُدَّ ٱلموْقِعُ ٱلقديمُ للبابِ بضَريحِ أبو ٱلقاسِم ٱلسهَيْلي (ت 581هـ/1185م)، أحدِ ٱلرِّجالِ ٱلسَّبْعةِ بمدينةِ مَراكُشَ؛ أمّا بٱلنسْبةِ لموْقِعه، فمِنَ ٱلصعْب، بلْ مِن ٱلمستَحِيل، ضبْطُه لكوْنه أمْسى جزْءاً مِن حوْمةِ أڭادير، لكنْ يَبْقى معْلوماً عِند ٱلباحِثِين أنّه كانَ موْجوداً بٱلقِسْمِ ٱلجَنوبيّ ٱلغرْبيّ مِن سُورِ ٱلمدينةِ.
مِن جِهةٍ أُخْرى، نجِدُ باباً آخَرَ غيْرَ هذا ٱلبابِ، حمَلَ هوَ ٱلآخَرُ إسْمَ “باب ٱلشّريعة” زمَنَ حُكْمِ ٱلمُوَحِّدِينَ؛ ٱجتهَدَ في توْطينه عالِمَا ٱلآثار، غاسْتُونْ دُوڤِرْدان Gaston Deverdun وشارْل آلَان Charles Allain، فٱقتَرحَا مُطابَقتَه مع ذلك ٱلبابِ ٱلمُغْلَقِ، بسبَب إنشاءِ ضريحِ ٱلإمامِ ٱلسهَيْلي قُبالَتَه، بٱلقِسمِ ٱلجَنوبيّ ٱلغرْبيّ مِن سُورِ مَراكُش، لكنّ مُحمّد رابِطة ٱلدِّين، أُستاذ بجامِعة ٱلقاضي عَيَّاض بمَراكُش، ٱعترَض على هذا ٱلتوْطِينِ مستنِداً على مجموعةٍ مِن ٱلملاحَظاتِ، مِن بيْنها وُجودُ ضريحِ ٱلإمامِ ٱلسهَيْلي وجبَّانةِ ٱلشيُوخِ ٱلمَخْزَنيةِ بذلك ٱلموْقِعِ ٱبتداءً مِن تاريخِ ٱلشرُوعِ في بِنَاءِ حوْمةِ أڭادير ٱلمُوَحِّدِيةِ، وهوَ ما يعِيقُ ٱلوظائفَ ٱلمَنُوطةَ بٱلبابِ، ويَقترِحُ في ٱلمُقابِلِ ٱلبحْثَ عنْ بابِ ٱلشّريعةِ ٱلمُوَحِّديّ في ٱلزاوِيّةِ ٱلتي يَلْتَقي عِنْدَها خَطَّا ٱلواجِهَتَيْن ٱلجَنوبيةِ وٱلغرْبيةِ مِن ٱلسُّورِ لٱعتِباراتٍ عِدّةٍ فصَّلَ ذِكْرَها في أُطرُوحَته.
وعَلى ٱلرغْمِ مِن قِلَّةِ ٱلمعْلوماتِ ٱلخاصّةِ ببابِ ٱلشّريعةِ بمَرَّاكُشَ، كمَا سَبَق ٱلذِّكْرُ، نَجِدُ ٱلمُؤرِّخِين يُكَرِّرون ٱلإشارةَ إلى هذا ٱلبابِ وذلك في مَعْرضِ حَديثِهم عنِ ٱلثُّوارِ ٱلذِينَ كانواْ يَخرُجونَ عَلى ٱلحُكوماتِ ٱلمُتعاقِبةِ، فيُقْتَلونَ وتُعَلَّقُ رُؤوسُهم عليْه.
وأقْدَمُ حَدَثٍ وصَلَنا خَبَرُه هوَ ما جاءَ به ٱلبِيذقُ في “أخْبار ٱلمَهْدي” (ص 67 و83) حيْث أنَّه إثْرَ بَسْطِ عبْد ٱلمُؤمِن بنِ عَلي ٱلمُوَحِّديّ سُلَطَتَه عَلى مَرَّاكُشَ، سَنَة 541ه/1146م، قامتْ في وجْهه ثوْرةُ ٱلمُسَمَّى عُمَر بنِ ٱلخَيَّاط ٱلسَّلَويّ، ٱلثائرِ مِن ﯕْزُولة وٱلمُلَقَّبِ ببُويَكَنْدي. فمَضَى ٱلشيْخُ أبو حفْصٍ إلى ﯕْزُولة وهَزَمه وقَتَله، ونقَلَ جُثَّتَه على بَغْلٍ وصَلَبَها على بابِ ٱلشّريعةِ بمَرَّاكُشَ.
وقدْ ذَكرَ لِيڤي بْرُوفانْسالْ في “الإسلامُ في ٱلمَغربِ وٱلأندلُسِ” (ص 78-79)، أنَّه في عامِ 549ه/1155م، نشَبتْ بمَرَّاكُشَ ثوْرة بَني أَمْغَر ٱلأشِقّاء ٱلحَقيقِيِّين للمَهدي بنِ تُومَرْت؛ فقُمِعتْ هذه ٱلثوْرةُ بقُوَّةٍ وجَلَبَ ٱلأهْلُون جُثَثَ ٱلثُّوارِ وعلَّقوها على بابِ ٱلشّريعةِ مِن ٱلمدينةِ.
وعلى عهْد ٱلرَّشيد -وهوَ عبْد ٱلواحِد الرَّشيد الموَحِّدي (حكم 629ه-640ه/1232م-1242م)- ظهَر ثُوارٌ ومُعارِضون، تَحدَّث عنْهم بتفْصيلٍ وإسْهابٍ ٱبنُ عِذاري ٱلمَراكُشي في “البَيَان ٱلمُغْرِب … قِسْم ٱلمُوَحِّدِين”.
ففي سَنَة 633ه/1235م، تحَرَّكَ يَحْيَى ٱبنُ ٱلناصِر [يَعْني يَحْيَى بن ٱلناصِر ٱلمُوَحِّدي، كُنْيَتُه أبو زكَرِيّا ولَقَبُه ٱلمُعتَصِم بِدِين ٱلله (حكم سَنَة 633-624ه/1227-1236م لفترةٍ وجيزة لأنّه كان صغِير ٱلسِّنّ)] ومَعه ٱبنُ وقاريطَ وهَسْكُورةُ وٱلخُلَّطُ، لقُصودِ مَرَّاكُشَ وٱلحُصولِ عليْها، وهُم في قُوَّةٍ عظيمةٍ وشِدَّةٍ لا تُرامُ، ومُنازَعةِ ٱلرَّشيدِ على حُكْمِ ٱلبلادِ؛ فقَطَع ٱلرَّشيدٌ واديَ أُمِّ ٱلرَّبيع، وٱستَقبَلَهم … فألْقاهُم بمَكانِهم بأوجْذام، فكانَ بيْنَهم وبيْنَه قِتالٌ شَديدٌ، وشَبَّت نارُ ٱلحَرْبِ بكُلِّ جِهةٍ ومَكانٍ ٱنهَزَم فيها ٱلخلَّطُ وفَرُّواْ على وُجوهِهم خاسِرِين، فأخَذواْ في تَدْبيرِ مَصالحِهم وأجمَعواْ أمْرَهم على نظَرِ ٱلمَصْلحةِ في نَكْثِ بيْعةِ يَحْيَى ورَفْضِه. ولمَّا ٱنهَزَم يحْيَى معَ ٱلخُلَّط صارَ إلى ٱلعَرَب في عُدَّةٍ قليلةٍ ثُمّ رَفَضوه وتَرَكوه وتشاءَمواْ بٱتِّباعِه، فأوَى إلى بعْض عَرَب ٱلمعقِل طَريداً شَريداً لا يَملِكُ نَقيراً ولا فَتيلاً، فبَقيَ عِندَهم يَتردَّدُ بيْنَهم إلى أنْ جَرَى عليْه حُكْمُ ٱللهِ ٱلسابِقُ في عِلْمِه فقُتِل على ما يأتي ذِكْرُه … فٱحتَوَوْاْ عليْه ووَعَدُوه بنُصْرتِه، وطلَبواْ منْه ظهائرَ بإعطاءِ ما لا يَمْلِك؛ فحَمَله سُوءُ ٱلنَّظَر على ٱلتّوَقُّفِ في تلك ٱلمَطالِبِ، فٱمتَلأتْ صُدورُ ناسٍ مِنهم غَيْظاً عليْه، فٱنتُدِبَ شخصٌ لغَدْرِه وقَتْلِه، فلمّا كانَ يومٌ مِن أيّامِ رحيلِه ٱغتالَه شيْطانٌ مِنهم فخَرَّ صَريعاً، ودُفِن في قلعةٍ في فَحْصٍ يُعرَفُ بفَحْص ٱلزّاد، وهوَ بيْن وادي أبي حُلُو ومخاض ٱلنِّساء [بفج عبد الله]، وهذه ٱلمواضعُ بيْن مدينة فاس ورِباطِ تازَا …
وفي أثناءِ ٱلحرَكة إلى ٱلغَرْب [غُمارةَ] في طلَبِ يَحْيَى وٱلخُلَّطِ، سِيقَ إلى حضْرة فاسَ رأسُ يَحْيَى ٱبنِ ٱلناصرِ، فوجَّه به ٱلرَّشيدُ إلى مَرَّاكُشَ في زِقِّ عسَلٍ وصَلَ به إلى مَرَّاكُشَ عبدُ الرحْمَن بن محمّد ٱلفَكّاك ٱلمعروفُ بٱبن ٱلتُّرجُمان، … ولمّا ورَد بذلك وبكَتْب ٱلخَليفة ٱلرَّشيد على ٱلشّيْخ أبي محمّد عبْد ٱلعزيز ٱلمقدَّم على مَرّاكُش جَمَع ٱلناسَ على طبَقاتِهم ومَراتِبِهم وقرَأ عليْهم ٱلكِتابَ ٱلإماميَّ وٱلرأسُ في طَسْتٍ، ثُمّ أمَرَ بتعْليقِه على بابِ ٱلشّريعةِ مِن أبواب مَرَّاكُشَ…
(“البَيَان ٱلمُغْرِب … قِسْم ٱلمُوَحِّدِين”، ص 332 إلى 337).
في صدْر سَنَة ثلاثين وسِتِّمائة [630ه/1232م]، ظهَرَ عُمر بنِ وقاريطَ ٱلهَسْكُوريِّ … وكانَ هذا ٱلمُتَمَرِّدُ نزَلَ مِن جَبَله هسْكورة، بمَنْ مَعه مِن أولادِ ٱلأميرِ ٱلمأمونِ ٱلمُوَحِّديَ، عازِماً ألَّا يَعُودَ إلى ٱلمأْمونِ لخَوْفٍ خامَرَ عَقْلَه مِنه …
وفي ٱلسَّنَةِ ٱلمُواليَّةِ -إحْدَى وثلاثين وسِتِّمائة [631ه/1233م]-، أظْهَرَ عِنَادَه وٱرتِدادَه، وأعْلَنَ بطَاعة يَحْيَى [ٱبن ٱلناصِر، ٱلسابقِ ذِكْرُه] وٱتَّبَعَ مُرادَه، وأصَرَّ على ٱلفَسادِ وٱلعَبَثِ في ٱلبِلادِ … ولمَّا عَلِمَ ٱلمُوَحِّدون مَيْلَ يَحْيَى إلى ٱبنِ وقاريطَ وإصْغائِه إليه، نَبَذَه أكْثَرُهم بٱلعَرَاءِ، فأصبَحَ عَدوَّهم ٱلأكْبرَ ٱلساعيَ في تفْريقِ جَماعَتِهم وٱنتِساخِ دوْلَتِهم.
وفي سَنَة ٱثنتَيْن وثلاثِين وسِتِّ مِئة [632ه/1234م]، ٱستَقرَّت أمُورُ ٱبنِ وقاريطَ على غَلْوائه وسَرايا فسادِه تسْري إلى ٱلخُلَّط، فصَارَ هؤُلاء يَجُولُون في أنواعِ ٱلفسادِ، وأظهَرواْ ٱلشِّقاقَ وٱلعِنادَ، وخاطَبواْ شيْخَ ٱلضُّلَّال ورأسَ ٱلفُجورِ وٱلضَّلاَل ٱبنَ وقاريطَ -ٱلمُتفَنِّنَ في ٱلفِتَنِ، ٱلناشئَ في ٱلمَكائدِ على قديمِ ٱلزمَنِ-، فٱستجابَ إلى مَطالبِهم، وقَبِلَ مُساعَدتَهم وإسعافَهم … فَحضَّهُم بفُجورِه وغَدْرِه على ٱلإستِنصارِ بٱبنِ هودٍ داعيَ ٱلأندلُسِ … ٱشتَغلَ ٱبنُ وقاريطَ بٱلتمْهيدِ لنفْسِه، وٱلنَّجاةِ برأسِه، لأنَّه لا يَستقِرُّ في ٱلغَرْب ولا يْمْكِنُه ٱستِيطانُ بلادِه بمَقْرُبةٍ مِن دارِ ٱلأمْرِ، فيكُونَ نِصْبَ ٱلعَيْنِ، فٱخْتارَ ٱلبُعدَ وٱلإنقِطاعَ في جزيرةِ ٱلأندلُسِ … فتوجَّه هوَ بنفْسه مع جَماعةٍ مِن وُجوهِ ٱلخُلَّطِ وٱتَّصلَ بٱبنِ هُودٍ … وٱستمرَّتْ إقامتُهم هُنالك [في إشبيلِيَةَ] إلى أنْ جاء ٱلخبرُ بقَبْض أهْل إشبيلِيَةَ عليْه في عامِ خمسةٍ وثلاثينَ وسِتِّ مِئَة [635ه/1237م] على ما ذُكِرَ سابقاً.
رُحِّلَ ٱبنُ وقاريطَ في قِطْعةٍ [سَفِينة، قِطْعة مِن أُسْطُول] مِن إشبيلِيَةَ إلى أزمّورَ … وكانَ بأزمّورَ جماعةٌ مِن ٱلخُلَّط مَساجِينٌ مِن أعْيانِ ٱبنِ هِلال كانَ قَبَضَ عليهم الأميرُ ٱلرشيد عِندَ قُفوله مِن فاس … فألحَقَ ٱبنَ وقاريطَ بِهم وبَنَى عليْه في موْضِع سِجْنِهم وسَجَنَه ببيْتٍ صغيرٍ ليس لَه تَزحْزُحٌ مِن مَكانه، وٱستوْثَقَ مِنه ٱلحديدَ ٱلثّقيلَ وبَقيَ هُنالك أياماً … أمَرَ ٱلرَّشيدُ بقَتْل مَن في أزمّورَ مِن أشياخِ ٱلعَرَب ٱلخُلَّطِ، فحُزَّت رؤوسُهم، وحُمِّلتْ جُملةُ ٱلرؤوس في خُرْجٍ على جَمَلٍ ورُكِّبَ عليْها ٱبنُ وقاريطَ عِوَضَ فرَسٍ وسَرْجٍ، وحُمِل إلى مَرَّاكُشَ على هذه ٱلحالةِ، فوَصَل إليها وقدْ قَرَّب ٱلله إلى ٱلأُخْرى ٱرتِحالَه، فبَقيَ ساعةً بخارِج ٱلمدِينةِ وٱلناسُ ينظُرونَ إليْه، ويصُبُّونَ ٱللَّعنةَ عليْه، ثُمّ أُدخِل إلى ٱلسِّجن فبَقيَ به أياماً، ثُمّ أمَرَ ٱلرَّشيدُ بقَتْله وتعْليقِه على بابِ ٱلشَّريعةِ أحدِ أبواب مَرَّاكُشَ … وكانَ ذلك سَنَة 635ه/1237م.
(“البَيَان ٱلمُغْرِب … قِسْم ٱلمُوَحِّدِين”، ص 303 إلى347).
وفي ٱلسَّنَة ٱلتالية [636 ه/1238م]، ثارَ ببلاد ٱلسُّوس ثائرٌ يُدعَى بٱبن ياوجي، في حِصْن تيوينْوين، ٱلظالِمِ أهْلُه، ٱلمُتأَصِّلِ على ٱلنِّفاق وضْعُه، وٱستَدعَى ٱلناسَ إليْه فأجابَه كثيرٌ مِنهم، فسَمِعتْ به عَرَبُ ٱلمعقِل فأقبَلواْ إليْه وطَلَبواْ مِنه ٱلإجتماعَ به ووَعَدوه بٱلنّصْرِ وٱلإعانةِ على ما أخَذ فيه، فخافَ مِن ٱلخروج إليْهم وٱستَدْعاهم ليَجتمِعواْ به في ٱلحِصن ٱلمذكور، وكان صاحبَ ٱلبلادِ ٱلسُّوسيّةِ أبو محمد ٱبن أبي زكريّا بن أبي إبراهيم، فمَا زال يبذُلُ ٱلعطاءَ عليْه إلى أنْ ٱغتالَه جُزوليٌّ بدَسِيسةٍ إليْه، وذلك أنّه لمّا دخَل عَرَبُ ٱلمعقِل إلى ٱلحِصن نَعَق ناعِقٌ بأنّه يريدُ بإدخالهم ٱلتّغَلُّبَ على ٱلحِصن وٱلتّمكُّنَ مِن أهْلِه وإخراجَهم مِنه، فتقدَّم إليْه شيْخٌ مِن جُزولةَ وضَرَبَه فقَتَلَه … فقَطَع رأسَه ٱلجُزوليُّ قاتِلُه وجعَلَه في قُفّةٍ وتوجَّهَ به معَ بعْض أصحابِه إلى مَرّاكُش، … ولمّا وَفَدواْ على أميرِ ٱلمؤمِنينَ ٱلرَّشيدِ هنَّأوه بقَتْله … وعُلِّقَ رأسُه على بابِ ٱلشَّريعةِ معَ رؤوس ثُوارٍ آخَرين سابِقين …
(“البَيَان ٱلمُغْرِب … قِسْم ٱلمُوَحِّدِين”، ص 347 إلى 348).
وفي نفْس ٱلسَّنَةِ ومِن ذاتِ حِصْن تيوينْوين نَفْسِه، خَرَج مُتمَرِّدٌ آخَرُ ٱشتُهِرَ بأبي قَصَبةَ، ولمْ يبقَ مِن ٱلموَحِّدِينَ أحدٌ في حالِ ثوْرتِه إلَّا ٱستَقرَّ بهذه ٱلبلاد في قِتالِه، ولِقَتْلِه بَعْدَ ٱلمُدّة ٱلطائلة نبأٌ معروفٌ، وعُلِّقَ رأسُه على بابِ ٱلشَّريعةِ. وبَعْدَ ذلك ٱلتاريخ، وصَلَ مَرَّاكُشَ رجُلٌ يُقال لَه عبْدُ ٱلرّحيم ٱبن ٱلفَرَس مِن أهْل ٱلأندَلس، فقيهٌ عالِمٌ، ولكنْ جَرى عليْه ٱلقَدَرُ ٱلذي لا يُرَدُّ، وترَكَ ٱلناسُ حينئذٍ ٱلرّوايةَ وٱلأَخْذَ عنْه، فكان يمُرُّ على رأس أبي قَصَبةَ وهوَ مَعلَّقٌ فيَندُبُه ويتحسَّرُ عليْه، ثُمّ حَمَلتْه ٱلأقدارُ إلى هذه ٱلبلاد ٱلسُّوسيّة، فثارَ في هذا ٱلحِصْن، … فأُعمِلَت ٱلحِيلةُ أيضاً في حَسْم عِلَّته إلى أنْ ٱغتِيلَ وقُتِلَ، فسِيقَ رأسُه وعُلِّقَ بإزاءِ رأس أبي قَصَبةَ …
(“البَيَان ٱلمُغْرِب … قِسْم ٱلمُوَحِّدِين”، ص 348).
يَحْكي ٱلمؤَرِّخون أنَّه زَمَنَ نِهايةِ ٱلدَّوْلةِ ٱلمُوَحِّدِيَّةِ، لمَّا تَقَدَّم ٱلسُّلطان أبو يُوسُف يعْقوب بنُ عبْد ٱلحقّ ٱلمَريني نحْوَ مَرَّاكُش، فَرَّ كلُّ مَن كانَ بها مِن ٱلمُوَحِّدِين، فلَجَأُواْ إلى جَبَل تِينْملل، وبايَعواْ إسْحَاقَ أخَا ٱلمُرتَضَى، فبَقِيَ ذبالةً هُنالك سِنِين؛ إلى أنْ قُبِضَ عليْه سَنَة أربَع وسَبْعين وسِتِّمئة [674ه/1276م]، وسِيق إلى ٱلسُّلطان في جَماعةٍ مِن قوْمِه، فقُتِلواْ جميعاً؛ وجنبواْ إلى مصارِعهم بباب ٱلشريعةِ بمَرَّاكُش، فضُرِبَتْ أعْناقُهم وصُلِبَتْ أشْلاؤُهم، وٱنقَرَضَ أمْرُ بَنِي عبْد ٱلمُؤمن [ٱلمُوَحِّدِين].
[“العِبَر أو تاريخ ٱلبربر”، (ٱبن خلدون، ق8ه/ق14م)، ج 7، ص 241 و 257 – “الإستِقصا لدوَل ٱلمغْرِب ٱلأقْصى” (ق 14ه/19م-1311ه/1893م)، ج 3/ص27 (ٱلناصري)].
— يُتْبَع في ٱلحَلَقةِ ٱلثالثةِ …/…