الرأي

الملف 2: تازة الصحية – مدينة بدون مستشفى جهوي ولا مركز للسرطان

سلسلة ملفات صحفية حول قضايا تازة خطوة قوية وضرورية لتسليط الضوء على التحديات التي تواجه المدينة، وربطها بالسياق الوطني والتاريخي. هذه السلسلة تُنشر تباعًا على جريدة تازاسيتي، تحت عنوان موحد: "تازة... المدينة المنسية"

عمر قشمار

بينما تتقدّم برامج التأهيل الصحي في العديد من المدن المغربية، وتُبنى مراكز استشفائية جديدة وفق المعايير الحديثة، ما تزال مدينة تازة، التي يتجاوز عدد سكانها 150 ألف نسمة، تُصارع من أجل أبسط الخدمات الصحية الأساسية. فالسكان يُجمعون على سؤال محوري: كيف لمدينة بهذا الحجم والتاريخ أن تظل بدون مستشفى جهوي مجهز، وبدون مراكز متخصصة لعلاج أمراض مستعصية؟

مستشفى إقليمي محدود… وسكان بلا بديل

يُعتبر المستشفى الإقليمي ابن باجة في تازة المؤسسة الصحية المركزية بالمدينة، لكنه يعاني من عدة اختلالات مزمنة، على رأسها الاكتظاظ، ضعف التجهيزات، نقص الأطر الطبية، ومحدودية التخصصات المتوفرة. وغالبًا ما يُضطر المرضى، خصوصًا من الحالات المعقدة، إلى التنقل إلى فاس أو وجدة أو حتى الرباط، من أجل تلقي العلاجات الضرورية.

المشكل لا يقتصر على المرضى فقط، بل حتى العاملين في القطاع الصحي يواجهون صعوبات يومية، مما يدفع العديد من الأطر إلى طلب الانتقال أو الاعتذار عن الاشتغال في المنطقة، بسبب غياب ظروف العمل اللائقة.

غياب مراكز حيوية: السرطان، القلب، وتحاقن الدم

من أبرز مظاهر الأزمة الصحية في تازة غياب مركز لعلاج السرطان، رغم تسجيل حالات متزايدة في السنوات الأخيرة، خاصة في صفوف النساء المصابات بسرطان الثدي أو عنق الرحم. كما تغيب وحدة مستقلة لأمراض القلب والشرايين، وهو ما يحرم مرضى القلب من المتابعة الدقيقة، ويجعلهم عرضة للمضاعفات بسبب بُعد العلاج.

كما تُعد المدينة من بين القلائل التي لا تتوفر على مركز مستقل لتحاقن الدم، ما يؤدي إلى تأخر العمليات الجراحية أو إنقاذ الحالات المستعجلة، خصوصًا في الحوادث أو الولادات المعقدة.

أطباء وسيارات إسعاف… ولكن لمن؟

رغم وجود كفاءات طبية محلية مهاجرة، وأطباء شباب راغبين في الاشتغال داخل المدينة، إلا أن المنظومة تفتقر إلى استراتيجية استقطاب وتحفيز حقيقية. وحتى سيارات الإسعاف، المتوفرة في بعض المراكز القروية، تُستنزف بفعل بعد المراكز الجامعية، مما يزيد الضغط على الأسر ويضاعف التكاليف.

شهادات من الميدان

• “أُصبت بورم خبيث في الغدة، وتم تحويلي إلى فاس حيث انتظرت الموعد لأكثر من شهرين. لو كان هناك مركز قريب، لكان وضعي اليوم مختلفًا” – شهادة سيدة من ساكنة حي بين الجرادي.

• “نعمل في ظروف صعبة… نقص في الأطر، توتر يومي، ومرضى لا نملك لهم حلولًا. نحن جزء من المشكلة وضحاياها في آن واحد” – تصريح ممرض بالمستشفى الإقليمي.

أي عدالة مجالية صحية؟

تُثير هذه الوضعية أسئلة عميقة حول توزيع الموارد الطبية والمراكز الصحية على المستوى الوطني. ففي الوقت الذي تم فيه تدشين مراكز جهوية ضخمة في بعض المدن، لا تزال تازة خارج التغطية الصحية الشاملة بالمعنى الفعلي، وهو ما يتناقض مع شعارات “العدالة المجالية” و”مغرب الجهات”.

المطالب واضحة… هل من إرادة؟

يطالب الفاعلون المحليون والمنتخبون، منذ سنوات، بما يلي:

• إحداث مستشفى جهوي متعدد التخصصات.

• إنشاء مركز جهوي لعلاج السرطان.

• تجهيز وحدة لأمراض القلب والشرايين.

• إحداث مركز دائم لتحاقن الدم.

• توفير مروحيات طبية أو سيارات إسعاف مجهزة للحالات الاستعجالية المعقدة.

تازة لا تطلب المستحيل. تطلب فقط مستشفى يؤمن الحياة، ومراكز تنقذ الأرواح، ونظرة إنصاف من الدولة. هل هذا كثير على مدينةٍ أعطت، ولم تأخذ؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى