في أزقة المدينة العتيقة بتازة، حيث لا تزال رائحة الحريق عالقة في الهواء، بدأت فصول مأساة أخرى تتكشف، لكن هذه المرة ليست ألسنة اللهب بطلتها، بل قوائم ورقية تحمل أسماء المستفيدين من الدعم المالي المخصص لمتضرري حريق “قبة السوق” الشهير.
قبل أسابيع، التهمت النيران محلاتهم التجارية وأحلامهم، تاركة وراءها ركامًا من الخسائر ومستقبلًا غامضًا. يومها، كانت وعود الدعم الحكومي بمثابة طوق نجاة ينتظره الجميع بفارغ الصبر. لكن عندما وصلت المساعدة، لم تجلب معها العزاء للكل، بل أثارت موجة من الاستياء والشعور بالظلم لدى عدد من التجار الذين وجدوا أنفسهم خارج دائرة المستفيدين، أو على هامشها.
بدأت القصة بمراسلات صامتة موجهة إلى عامل الإقليم، تحمل بين سطورها مرارة تجار أفنوا أعمارهم في تلك الدكاكين. “كيف يُعقل أن من تدمر محله بالكامل، ولا يزال عاجزًا عن شراء بضاعة جديدة، يُهمل وضعه؟” يتساءل أحد المهنيين الذي فضل عدم الكشف عن هويته. وأضاف: “بينما نرى أسماء في اللائحة تمكن أصحابها من إصلاح أضرار طفيفة والعودة للعمل في غضون أيام”.
هذا الشعور بالغبن هو ما دفعهم للتحرك. لم يكن هدفهم، كما يؤكدون، التشكيك في نوايا الدولة أو أهمية الدعم، بل تصويب مسار آلية التوزيع التي بدت لهم عرجاء. في حجتهم، تستند اللائحة المعتمدة التي تضم 45 اسمًا إلى معايير غير دقيقة، تفتقر إلى التمييز بين من خسر كل شيء ومن نجا بأقل الخسائر. بالنسبة لهم، فإن قيمة الدعم الممنوح لا تعكس حجم الكارثة التي حلت بمصادر رزقهم المتوقفة تمامًا.
لم يطلبوا سوى العدل والشفافية. دعوتهم كانت واضحة: أعيدوا تقييم اللوائح، اعتمدوا على حجم الضرر الفعلي كمعيار أساسي، وشكلوا لجان مراقبة تضمن وصول كل درهم إلى مستحقه الحقيقي. إنها ليست مجرد مطالب مالية، بل هي صرخة للحفاظ على الثقة المتبقية بين المواطن والإدارة، وللتأكيد على أن الإنصاف هو أسرع الطرق لإعادة بناء ما دمرته النيران.
وهكذا، بينما ينتظر تجار “قبة السوق” قرارًا يعيد لهم الأمل، يبقى سؤالهم معلقًا في سماء تازة: هل ستتم مراجعة المعايير لترميم جراح الجميع، أم أن رماد الحريق سيظل شاهدًا على قصة دعم لم يكتمل إنصافه؟