مجتمع

“نانَّة”: جدة الدوار وحارسة الحياة.. تحية للقابلة في يومها العالمي

عمار قشمار

في الخامس من مايو من كل عام، يتجه العالم بأسره لتكريم أيادي العطاء التي تحمل الحياة إلى الوجود، أيادي القابلات. وفي إقليم تازة المغربي، يحمل هذا التكريم بعداً إنسانياً وتراثياً أعمق، حيث لا تُعرف القابلة بلقبها المهني فحسب، بل تُدعى بـ “نانَّة”، وهي كلمة أمازيغية تعني “الجدة”. هذا اللقب ليس مجرد تسمية، بل هو اعتراف بمكانة القابلة كركيزة أساسية في نسيج المجتمع، لا سيما في الدواوير والقرى النائية.

“نانَّة”: أكثر من قابلة.. جدة لكل المواليد

إن إطلاق لقب “نانَّة” على القابلة في دواوير تازة يختزل فلسفة مجتمعية عميقة. فالقابلة هنا ليست مجرد امرأة تؤدي وظيفة اجتماعية دون أجر، بل هي “جدة” لكل طفل يرى النور على يديها. هي الحاضنة الأولى، والمربية الثانية، والمستشارة الاجتماعية التي تتجاوز مهامها حدود غرفة الولادة لتشمل تقديم الدعم النفسي، والمشورة الأسرية، وحتى المشاركة في طقوس الاحتفال بالمولود الجديد.

تُجسد “نانَّة” صورة المرأة الحكيمة، الخبيرة، التي تستمد معرفتها من العلم تارة، ومن التجربة المتراكمة عبر الأجيال تارة أخرى. هي التي تعرف كل بيت في الدوار، وتاريخ كل عائلة، وتفاصيل كل حمل. حضورها يبعث الطمأنينة في قلوب الأمهات، ويمنح الثقة للآباء، ويُشعر المجتمع بأسره بوجود حارسة أمينة على استمرارية الحياة.

ذكرى القابلة: احتفاء بتراث حي

بمناسبة اليوم العالمي للقابلة، يتجدد الاحتفاء بهذا الدور المحوري. ففي الوقت الذي تتطور فيه الرعاية الصحية وتتغير أساليب الولادة، تظل القابلة، بلقبها “نانَّة”، رمزاً للتواصل الإنساني العميق، وللتراث الذي يربط الأجيال ببعضها البعض. هي الشاهدة على الفرحة الأولى لكل أسرة، والملاذ الآمن في لحظات الألم، واليد التي تمسك بيد الأم لتعبرها إلى بر الأمان.

إن هذا اللقب التازي الأصيل يذكرنا بأن مهنة القبالة ليست مجرد علم، بل هي فن وعاطفة وإرث ثقافي. هي دعوة لإعادة الاعتبار للدور الشامل للقابلة، ليس فقط كعنصر فاعل في المنظومة الصحية، بل كـ “جدة” حقيقية تسهر على صحة وسلامة الأمهات والأطفال، وتنسج خيوط الحياة في قلب الدوار، جيلاً بعد جيل.

تحية إجلال وتقدير لكل “نانَّة” في تازة، ولكل قابلة في العالم، في يومهن العالمي. فهن حقاً حارسات الحياة ومهندسات الأمل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى