المحلية

تازة.. يوم علمي يسلط الضوء على أهمية الألف يوم الأولى من حياة الطفل باعتبارها استثماراً استراتيجياً في صحة الأجيال القادمة

تازاسيتي- آسية عكور

في إطار تعزيز ثقافة البحث العلمي وترسيخ الوعي بأهمية الرعاية الصحية المبكرة، احتضنت مدينة تازة، يوم 4 نونبر 2026، فعاليات يوم علمي تحت شعار «الألف يوم الأولى من الحياة: استثمار استراتيجي لصحة الطفل ونمائه» (JS-1000PJV-2026)، نظمه المعهد العالي للمهن التمريضية وتقنيات الصحة بتازة، بشراكة مع المجال الصحي الترابي لتازة، والمبادرة الوطنية للتنمية البشرية بتازة، وجمعية الثريا للأطفال المصابين بداء السكري بتازة، وذلك بمقر المعهد، إلى جانب قاعة المؤتمرات بكلية العلوم التطبيقية بتازة، في محطة علمية وأكاديمية جمعت نخبة من الأطر الصحية والباحثين والمهتمين بقضايا صحة الأم والطفل.

ويأتي تنظيم هذه التظاهرة العلمية انطلاقاً من الأهمية البالغة التي تكتسيها الألف يوم الأولى من حياة الإنسان، باعتبارها مرحلة تأسيسية ومفصلية في مسار نموه وتطوره، تمتد من بداية الحمل إلى غاية بلوغ الطفل عامه الثاني، وتشكل خلالها التغذية السليمة والرعاية الصحية المنتظمة والمواكبة النفسية والاجتماعية للأم والطفل عوامل حاسمة في بناء أسس الصحة الجسدية والنفسية والعقلية، فضلاً عن دورها في الوقاية من عدد من الأمراض والاختلالات التي قد تؤثر في مسار النمو خلال المراحل اللاحقة من الحياة.

وقد شكل هذا اللقاء مناسبة علمية لتبادل المعارف والخبرات ومناقشة مختلف الإشكالات المرتبطة بصحة الأم والطفل، من خلال مقاربات متعددة التخصصات، تستحضر الجوانب الطبية والتمريضية والتغذوية والنفسية والاجتماعية، مع التأكيد على ضرورة الانتقال من التدخل العلاجي إلى تعزيز الوقاية والتوعية والتتبع الصحي المبكر، بما يضمن توفير الظروف الملائمة لنمو الطفل في بيئة سليمة وآمنة. كما أتاح المجال للتأكيد على أهمية مواكبة الأم خلال فترة الحمل وبعد الولادة، وتمكين الأسرة من المعارف والممارسات الصحية الضرورية للتعامل السليم مع احتياجات الطفل خلال سنواته الأولى.

وتولى تنسيق هذه التظاهرة العلمية كل من الأساتذة توفيق أقبلي (AKABLI Taoufik)، وخديجة بوعبيد (BOUABID Khadija)، ونسيمة لشكر (LACHKAR Nacima)، وسعاد الصنهاجي (SENHAJI Souad)، حيث جرى إعداد برنامج علمي متنوع، عكس تعدد زوايا الاهتمام بهذا الموضوع، وفتح المجال أمام تقديم نتائج أبحاث ودراسات علمية تلامس واقع الممارسة الصحية والتحديات المرتبطة برعاية الأم والطفل.

وعرفت أشغال اليوم العلمي تناول ثلاثة محاور أساسية ومتكاملة، انصب المحور الأول منها على صحة الأم والمتابعة خلال فترة الحمل وما حول الولادة، من خلال تسليط الضوء على الصحة النفسية للأم وسبل تعزيز رفاهها، فضلاً عن مناقشة الأمراض التي قد تصيب الأم والمضاعفات المحتملة خلال الفترة المحيطة بالولادة، وأهمية المتابعة الطبية المنتظمة للحمل، وتحسين آليات التكفل الصحي بالأم والطفل، بما يساهم في ضمان ظروف أكثر أماناً خلال هذه المرحلة الحساسة.

أما المحور الثاني، فقد خُصص لصحة الطفل ونموه، حيث تطرقت المداخلات إلى عدد من القضايا المرتبطة برعاية المولود الجديد، من بينها الخروج المبكر من المؤسسة الصحية، والتطور العصبي والمعرفي للطفل، فضلاً عن أهمية الكشف المبكر عن اضطرابات النمو، باعتباره مدخلاً أساسياً للتدخل في الوقت المناسب وتفادي تفاقم بعض الصعوبات الصحية والنمائية. كما أبرزت النقاشات أهمية التتبع المستمر لمراحل نمو الطفل، وعدم الاقتصار على التدخل عند ظهور الأعراض، بل اعتماد مقاربة استباقية قائمة على المراقبة والتشخيص والتوجيه.

وفي السياق ذاته، حظي موضوع التغذية خلال الألف يوم الأولى باهتمام خاص ضمن المحور الثالث، بالنظر إلى دورها المحوري في ضمان نمو صحي ومتوازن، حيث تناولت المداخلات تغذية الأم خلال فترة الحمل والرضاعة، وأهمية الرضاعة الطبيعية في تعزيز مناعة الطفل وتوفير احتياجاته الغذائية الأساسية، إلى جانب التغذية التكميلية ومراحل إدماج الأغذية المناسبة في النظام الغذائي للطفل، وفق احتياجاته العمرية والنمائية. كما تم التأكيد على أن التغذية السليمة خلال هذه الفترة ليست مجرد مسألة غذائية، وإنما ركيزة أساسية للوقاية من سوء التغذية وتعزيز النمو الجسدي والذهني.

وعلى مستوى الحصيلة العلمية، تميزت هذه التظاهرة بغنى برنامجها وتعدد المساهمات البحثية المشاركة، حيث جرى تقديم 31 مداخلة شفوية موزعة على خمس جلسات علمية، إضافة إلى 26 مداخلة عبر الملصقات العلمية، وهو ما يعكس حجم الانخراط الأكاديمي والبحثي في تناول مختلف القضايا المرتبطة بصحة الأم والطفل. وقد استعرضت هذه المساهمات نتائج أبحاث ميدانية ومخبرية شملت مجالات متنوعة، من بينها الوقاية والتغذية والنباتات الطبية، فضلاً عن دراسة المحددات الاجتماعية والبيئية المؤثرة في الوضع الصحي للأمهات والأطفال.

ولم تقتصر أهمية هذا الموعد على عرض المعطيات العلمية والنتائج البحثية، بل امتدت لتشمل تعزيز النقاش وتبادل التجارب بين مختلف المتدخلين، وإبراز الدور الذي تضطلع به مؤسسات التكوين الصحي في مواكبة التحولات التي يعرفها القطاع، والمساهمة في إنتاج معرفة علمية قابلة للاستثمار في تحسين جودة الخدمات الصحية. كما شكلت الشراكة بين المؤسسة المنظمة وباقي الهيئات المشاركة نموذجاً للتكامل بين التكوين والبحث العلمي والعمل الصحي والمبادرات التنموية والجمعوية، بما يخدم قضايا الصحة العامة ويعزز ثقافة المسؤولية المشتركة تجاه صحة الأجيال الصاعدة.

ويكتسي اختيار موضوع الألف يوم الأولى من الحياة أهمية خاصة، لكونه يسلط الضوء على مرحلة لا تتكرر في مسار الإنسان، وتتحدد خلالها مجموعة من الأسس المرتبطة بصحته ونموه وقدراته المستقبلية. فالاستثمار في هذه المرحلة يظل من أنجع المداخل لبناء مجتمع سليم، من خلال ضمان الرعاية الصحية للأم، والتغذية المتوازنة، والمتابعة المنتظمة للطفل، إلى جانب توفير المواكبة والتوجيه اللازمين للأسرة.

وبهذه المبادرة العلمية، يؤكد المعهد العالي للمهن التمريضية وتقنيات الصحة بتازة، بمعية شركائه، أهمية جعل البحث العلمي والتكوين والتوعية الصحية في صلب الاهتمام بقضايا الأمومة والطفولة، كما يكرس انفتاح المؤسسة على محيطها الصحي والاجتماعي والأكاديمي، ويساهم في ترسيخ مكانة مدينة تازة كفضاء لاحتضان المبادرات العلمية وتبادل الخبرات والتجارب. وهي رسالة مفادها أن العناية بصحة الطفل لا تبدأ بعد ولادته فحسب، بل تنطلق منذ اللحظات الأولى للحمل، وأن الاستثمار الحقيقي في المستقبل يبدأ من توفير أفضل شروط الحياة والنمو للأجيال القادمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى