الجهوية

الميركاطو نحو “الوردة”… حين تصبح التزكية ملاذاً لمن لا يملك التاريخ

رشيد النهيري

يبدو أن رياح “الميركاطو” السياسي هذه الأيام تهب بقوة نحو حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، حيث يصطف بعض السياسيين على الأعتاب، لا حباً في عطر “الوردة” ولا اقتناعاً بأدبياتها، بل طمعاً في شوكها الذي قد يمنحهم حصانة مؤقتة من مقصلة النسيان السياسي.
فجأة، تذكّر كثيرون حزباً تاريخياً بعدما ضاقت بهم الدوائر داخل تنظيماتهم الأصلية، وانقطعت عنهم “صنابير التزكية”. أولئك الذين لفظتهم حسابات المصالح أو أنهكتهم الصراعات الداخلية، وجدوا في “الوردة” محطة عبور جديدة، أو بالأحرى “مأوى سياسياً مؤقتاً” ريثما تهدأ العاصفة.
الدخول هنا لا يشبه عودة الابن الضال إلى بيته، لأن معظم هؤلاء لم يسكنوا هذا البيت أصلاً، بل هو أقرب إلى “زواج مصلحة” واضح: المهر خزان انتخابي محتمل، والهدف مقعد انتخابي أو مظلة حماية سياسية. لا عشق إيديولوجياً ولا التزاماً نضالياً… فقط حسابات باردة.
المفارقة الساخرة أن حزباً يتحدث كثيراً عن “الدولة الاجتماعية” صار يستقبل وجوهاً قضت سنوات طويلة في الدفاع عن سياسات توصف بالليبرالية المتوحشة. وكأن الذاكرة السياسية قصيرة جداً، أو ربما قابلة لإعادة البرمجة حسب الحاجة الانتخابية.
المأساة، إن صح التعبير، ليست في “الوافدين الجدد” وحدهم، فهؤلاء يتحركون بمنطق المصلحة الذي يحكم السياسة غالباً، بل في قيادة قد تفتح الأبواب على مصراعيها تحت شعار “تجميع الشتات”. هذا الشعار الجميل ظاهرياً قد يتحول عملياً إلى تفريغ الهوية التاريخية من مضمونها، وتحويل الرمز النضالي إلى مجرد علامة انتخابية قابلة للاستعمال السريع.
أما المناضلون القدامى، أولئك الذين قضوا سنوات في “الكوزينة التنظيمية” بصبر وإيمان، فقد يجدون أنفسهم فجأة في المقاعد الخلفية، بينما يتصدر المشهد وافد جديد يمتلك المال أو النفوذ أو شبكة العلاقات. وهنا يصبح السؤال مشروعاً: هل ما زال النضال معياراً، أم أن “القدرة الانتخابية” صارت العملة الوحيدة المتداولة؟
البعض يسمي هذا براغماتية سياسية، وآخرون يرونه تجارة رموز في سوق مفتوح، حيث يُعاد تسويق إرث الشهداء والمناضلين لمن يدفع أكثر انتخابياً. بين الأمس واليوم مسافة شاسعة: كان الالتحاق بالحزب يتطلب وضوح موقف ونقاء سيرة، أما اليوم فقد يكفي أن تكون مطروداً من حزب آخر أو باحثاً عن مظلة جديدة لتصبح “مناضلاً اتحادياً” بقرار سريع.
ويبقى السؤال معلقاً بسخرية مرة: هل هي مرحلة عابرة يفرضها منطق الانتخابات، أم تحول عميق يجعل التاريخ مجرد ديكور، والسياسة مجرد محطة عبور؟ الزمن وحده كفيل بالإجابة… أما “الوردة”، فيبدو أنها مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى بحماية عطرها من فائض الاستعمال السياسي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى