الرأي

مهرجان الهيتي بتازة…احتفال رسمي فوق رماد المدينة

في تازة، تبدو الغرابة جزءا لا يتجزأ من نسيج المدينة، والعادي صار استثناء. ما كان يجب أن يكون حدثا ثقافيا يعبر عن نبض المدينة وعمق ذاكرتها، تحول إلى منصة عرض لبروتوكولات رسمية ومناورات إدارية، في مهرجان الهيتي: الذاكرة والفنون الحية، الذي اختتم دورته الأولى أول أمس الأحد. مهرجان خرج على وسائل التواصل الإجتماعي في صور أنيقة ومنشورات مصممة بعناية، بينما بقيت المدينة في واقعها اليومي، متشبثة بذكرياتها الممزقة بين الطموح الحضري والإهمال المؤسسي، متسائلة عن جدوى هذه الإحتفالات البروتوكولية.
منذ الإعلان عن المهرجان، بدا واضحا أن خلفيته ليست مدنية خالصة، بل جزء من إستراتيجية مصالح وزارة الداخلية، التي سعت إلى البحث عن غطاء جمعوي يمنح الحدث طابعا مستقلا، فيما بقي جوهر القرار حكوميا أكثر منه ثقافيا. هكذا، تحول مشروع كان من المفترض أن ينبع من نبض المدينة إلى أداة بروتوكولية، تدار من بعيد، من قبل أشخاص، قد يكونون أبناء المدينة، لكنهم يعيشون خارجها، ويتصرفون كما لو كانت تازة مجرد لوحة فنية يجب تصويرها بشكل جميل، دون أن يفهم الواقع اليومي للساكنة أو توازناتها الإجتماعية والثقافية.
المفارقة الأولى تجلت في تقسيم المهرجان بين فقرات مفتوحة للجميع وأخرى خاصة بالدعوات الرسمية فقط، كأن الثقافة في تازة صارت امتدادا للبروتوكولات، وليست مساحة للعيش الجماعي، ولا تناقش في المقاهي، ولا تختبر في الشوارع، ولا تترك أثرا في ذاكرة المدينة. فالفقرات العامة استهلاكية بصريا، بينما الفقرات المغلقة لمن يملك البروتوكول والكاميرات، بعيدا عن مشاركة حقيقية تمنح الثقافة قيمتها الإنسانية والاجتماعية.
الجانب الثاني يكشف افتقار المنظمين للخبرة العملية: توقيت المهرجان. اختيرت الفترة التي تعرف فيها المدينة طقسا باردا وأمطارا، ما يجعل العروض الخارجية، مثل الفروسية وسهرات الهواء الطلق، عرضة للتقلبات الجوية، بينما كان الصيف، الذي تشهد فيه المدينة عودة أبناءها المهاجرين من الداخل والخارج، هو التوقيت الأمثل لضمان إقبال الجمهور على الفقرات. هذا التجاهل للعامل الأساسي الذي يضمن نجاح أي حدث جماهيري يظهر ضعف التخطيط الاستراتيجي للجهة المنظمة، وغياب فهمها لمقومات الجذب الطبيعي للمدينة.
أما المفارقة الأكثر صراحة فتكمن في استمرار المهرجان رغم الانتقادات الواسعة، خصوصا بعد حادث نيران قبة السوق في اليوم الثاني، الذي أتلف أرزاق ما يقرب من خمسين تاجرا. المدينة تحترق، والوجوه غارقة في الصدمة، فيما الموسيقى والعروض الفنية تتواصل على بعد أمتار، كأن لا شيء قد وقع. هذا المشهد هو صورة مكبرة لمعنى التنمية وفق شعار الجهة المنظمة: واجهة لامعة، صور جميلة، إضاءة وموسيقى، بينما المدينة الحقيقية تتألم في صمت.
التساؤل الجوهري هنا: لمن ينظم المهرجان فعلا؟ هل للساكنة التي تعيش المدينة يوميا، أم لمن يريد أن يظهر في الصفوف الأمامية أمام كاميرات التوثيق والمجتمع الخارجي؟ المشاريع المفروضة من فوق لا تصنع ذاكرة، بينما المشاريع المحلية التي تبنى من الأرض تبقى لأنها تعكس حياة الناس اليومية، قصصهم، معاناتهم، وأحلامهم.
في نهاية المهرجان، غادر المنظمون حاملين معهم صورا أنيقة ومنشورات محكمة، بينما بقيت تازة، كما هي دائما، تواجه رماد قبة السوق وأحزانها اليومية، تنتظر مشروعا ثقافيا حقيقيا يشبه أهلها وشوارعها، لا مجرد زيارة بروتوكولية أو مهرجان سريع الترتيب. يبقى السؤال معلقا في هواء المدينة البارد: هل تحتاج تازة إلى مهرجانات تجمل صورتها، أم إلى مشاريع تنبع من قلبها وتعيد لها اتصالها بذاتها وبناسها؟
الجواب ما زال ينتظر من يملك شجاعة الإصغاء قبل شجاعة تنظيم دورة ثانية، لأن المدينة الحقيقية ليست منصة عرض، بل حضن لتجربة ثقافية وحضارية تحيي الذاكرة وتبني المستقبل.

قلم : عبد الفتاح أولهاني ⵙⵉⴼⴰⵡ ⵓⵍⵀⴰⵏⵉ

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى