مجتمع

وادي جعونة بتازة.. “متنفس طبيعي” يتحول إلى “مصب للصرف الصحي” يهدد صحة الساكنة

تازة – عمار قشمار

تحول وادي جعونة، الذي يشق الأحياء السكنية لتازة السفلى، وتحديداً بين حي القدس الثالث وتجزئة المسيرة الثانية، من شريان طبيعي ومتنفس أخضر محتمل إلى مصب مكشوف للمياه العادمة وتجمع للأزبال والنفايات، في كارثة بيئية وصحية تثير قلق الساكنة والفعاليات المدنية بالمدينة.
وتؤكد ملاحظات السكان، التي تم تداولها مؤخراً، أن مياه الصرف الصحي تتدفق بشكل مباشر إلى مجرى الوادي من عدة نقاط، أبرزها قنطرة قريبة من مدرسة ابن طفيل وقادوس تجزئة أمين، مما يغرق المجال الحضري بمياه الصرف الصحي غير المعالجة.
أزمة غياب محطة التطهير: السبب الجذري للتلوث
تُعد هذه المشكلة، التي حولت الوادي إلى بؤرة للأمراض وتكاثر الحشرات والقوارض، نتيجة مباشرة لقصور في البنية التحتية الأساسية للمدينة وتراخي في تطبيق القانون. فمدينة تازة، وعلى غرار العديد من المدن المغربية، تعاني من غياب محطة لتصفية ومعالجة المياه العادمة (STEP).
فبالإضافة إلى غياب محطة لتصفية ومعالجة المياه العادمة (STEP) ، تبرز مشكلة أخرى لا تقل خطورة، وهي عدم ربط التجزئات السكنية المحدثة بقنوات الصرف الصحي الرئيسية، وقيامها بكب المياه العادمة مباشرة في الوادي. هذا الأمر يُعد مخالفة صريحة للقوانين الجاري بها العمل فيما يتعلق بإحداث التجزئات السكنية، ويشير إلى وجود خلل في مراقبة ومنح تراخيص البناء والربط بالشبكات الأساسية.
هذا الغياب يعني أن مياه الصرف الصحي للمدينة تُصرف في الطبيعة دون أي معالجة، لتستقر في الأودية والمجاري المائية، مما يهدد بشكل خطير تلوث التربة والمياه الجوفية، ويشكل خطراً صحياً وبيئياً على الساكنة المجاورة.

وتتولى الوكالة المستقلة لتوزيع الماء والكهرباء بتازة (RADEETA) سابقاً مسؤولية تدبير قطاع التطهير السائل في المدينة. وبموجب القانون، تقع على عاتقها مسؤولية تنفيذ البرنامج الوطني للتطهير السائل (PNA)، الذي يهدف إلى حماية الموارد المائية من التلوث.
ويشدد القانون رقم 36.15 المتعلق بالماء على ضرورة حماية الملك العمومي المائي، وينص على عقوبات صارمة ضد كل من يلحق به ضرراً عبر تصريف المخلفات السائلة. وهو ما يضع الوكالة والسلطات المحلية أمام مسؤولية تطبيق القانون ومحاسبة المتسببين في هذه التسربات المباشرة.
ويشدد القانون رقم 36.15 المتعلق بالماء على ضرورة حماية الملك العمومي المائي، وينص على عقوبات صارمة ضد كل من يلحق به ضرراً عبر تصريف المخلفات السائلة. كما تُعد مخالفة عدم ربط التجزئات السكنية بشبكة التطهير وتصريف مياهها العادمة في الوادي مخالفة مزدوجة تخضع لقانونين أساسيين:
• قانون الماء (36.15): تنص المادة 116 منه على عقوبات تشمل الحبس وغرامات مالية لكل من ألحق ضرراً بالملك العمومي المائي، مع إلزام المخالف بـ إزالة أسباب التلوث وإعادة الحالة إلى ما كانت عليه.
• قانون التعمير (25.90): يُلزم هذا القانون المنعشين العقاريين بإنجاز جميع التجهيزات الأساسية للتجزئة، بما في ذلك الربط بشبكة التطهير السائل، قبل تسليم البقع. وبالتالي، فإن عدم الربط يُعد مخالفة لشروط الترخيص، ويُعاقب عليها بغرامات مالية، وقد تمتد العقوبة لتشمل كل من ساهم أو سهل في عملية التجزئة المخالفة.
هذا الإطار القانوني يضع الوكالة والسلطات المحلية أمام مسؤولية تطبيق القانون ومحاسبة المتسببين في هذه التسربات المباشرة، وتفعيل دور شرطة المياه في معاينة المخالفات وتحرير المحاضر اللازمة.

الحل في الأفق: مشروع محطة المعالجة وقنوات التجميع
إن الحل الجذري والوحيد لإنهاء هذه الكارثة البيئية يكمن في إنجاز مشروع متكامل، وهو ما يتطابق مع المقترح الذي يطالب به السكان والفعاليات المدنية: تمديد قنوات التجميع إلى مصب خارج المجال الحضري، ومن ثم معالجة المياه.
وفي هذا السياق، تظهر بارقة أمل مع إعلان المصادقة على مشروع إنجاز محطة لتصفية ومعالجة المياه العادمة بمدينة تازة.
الأهمية البيئية:
– معالجة المياه قبل تصريفها، والقضاء على مصدر التلوث الرئيسي.
– جمع مياه الصرف الصحي التي كانت تُصرف في الأودية وتحويلها إلى المحطة.
– توفير مصدر مائي جديد لأغراض غير الشرب (مثل سقي المساحات الخضراء).

ويُنتظر من هذا المشروع، الذي تشرف عليه الشركة الجهوية فاس مكناس للخدمات، أن يضع حداً لتلوث وادي جعونة والأودية الأخرى، وأن يعزز الحماية البيئية للمدينة، خاصة وأن المخطط الاستراتيجي للوكالة يشير إلى إنجاز محطة من الجيل الجديد توفر إمكانية إعادة استعمال المياه المعالجة.
طموح التنمية: من كارثة بيئية إلى متنفس عالمي
لا تقتصر الرؤية المستقبلية لوادي جعونة على إنهاء التلوث فحسب، بل تتجاوز ذلك إلى استعادة دوره كمتنفس طبيعي للمدينة. فالموقع الاستراتيجي للوادي، الذي يمتد من تجزئة أمين سكن وينتهي بمدخل حي القدس 1 عند القنطرة، يجعله مرشحاً مثالياً لمشروع تنموي طموح.
يمكن تحويل المنطقة الفاصلة بين حي القدس 3 وحي المسيرة 2 على طول الوادي إلى منتزه طبيعي متكامل بمواصفات عالمية. هذا المشروع يمكن أن يشمل:
 شلال اصطناعي: استغلال المنحدر الطبيعي لجنبات حي القدس 3 على مسافة تزيد عن 3000 متر في اتجاه الوادي لإنشاء شلالات اصطناعية بمواقع مختلفة تضفي جمالية على المكان.
 إنشاء ملاعب للقرب وفضاءات لممارسة الرياضة
 ممرات للمشي: إنشاء مسارات آمنة ومجهزة لممارسة رياضة المشي والركض.
 حديقة متكاملة: تطوير مساحات خضراء ومناطق للجلوس والترفيه لسكان الأحياء المجاورة.
هذا التحول، الذي يبدأ بإعادة تهيئة الوادي وبناء جنباته وبتطهيره من مياه الصرف الصحي ومن الازبال والنفايات، يمثل فرصة تنموية مهمة لمدينة تازة لتحويل نقطة سوداء بيئياً إلى معلمة حضارية ووجهة سياحية داخلية، مما يعزز جودة الحياة ويحقق التنمية المستدامة.
دعوة للتحرك
تبقى الكرة الآن في ملعب الجهات المسؤولة لتسريع وتيرة إنجاز هذا المشروع الحيوي. كما يُدعى المجتمع المدني والسكان إلى متابعة سير الأشغال وتقديم شكاوى رسمية وموثقة إلى الوكالة المستقلة والمجلس الجماعي بخصوص التسربات المحددة، وذلك لضمان تطبيق القانون وحماية الصحة العامة والبيئة الحضرية من خطر “الوادي الحار”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى