إعداد: عمر قشمار
في قلب مدينة تازة، حيث تختلط صلابة الجبال بصبر الناس، تُخفي الأزقة والمقاهي والمرافق المغلقة حكايات آلاف الشباب الذين وجدوا أنفسهم خارج المعادلة الاقتصادية والتنموية. صمت ثقيل يرافق أحلامهم المؤجلة، وأقدامهم التي تختار الهجرة بدل الانتظار.
شباب ضائع بين الدبلومات والشارع
رغم توسع العرض الجامعي بالجهة، لا تزال مدينة تازة تُسجل نسبًا مرتفعة من البطالة في صفوف الشباب الحاملين للشواهد. خريجو الجامعات والمعاهد، سواء في تخصصات العلوم أو الآداب أو التكوين المهني، يصطدمون بواقع سوق شغل محلي شبه منعدم، يغلب عليه الطابع الموسمي أو العشوائي، أو يتطلب «وساطة» حزبية أو انتخابية.
“قضيت ثلاث سنوات من الدراسة الجامعية في تازة، وعدت بعدها إلى قريتي بدون أفق. لا مباريات، لا فرص، ولا أحد يسمعنا”، يقول شاب من جماعة باب بودير.
مشاريع حكومية… دون أثر محلي
رغم إطلاق برامج وطنية كـ«فرصة» و«أوراش» لدعم التشغيل الذاتي والإدماج، إلا أن أثرها في تازة ظل محدودًا، بسبب غياب مواكبة فعلية، ومناخ اقتصادي غير محفز. وغالبًا ما تتركز المشاريع المختارة في مجالات ضعيفة المردودية، أو تُوزع بمعايير غير شفافة، حسب شهادات متطابقة.
“تقدمت بمشروع في مجال تقنيات الإعلاميات، ولم أتوصل بأي رد. لا دليل واضح، ولا لجنة تستقبلنا. الأمر يبدو أقرب إلى الصدفة منه إلى السياسة العمومية”، يقول خريج معهد تقني.
نزيف بشري نحو المدن الكبرى وأوروبا
المدن المجاورة، خصوصًا فاس والدار البيضاء وطنجة، باتت الوجهة الأولى لمن يبحث عن عمل أو تكوين إضافي. أما أوروبا، فتبقى الحلم المؤجل للكثير من الشباب الذين يراسلون جامعات أجنبية أو يسلكون طرق الهجرة غير النظامية. هذا النزيف الديمغرافي يفرغ تازة من فئتها المنتجة، ويُقلل تدريجًا من ديناميتها الاقتصادية والاجتماعية.
انعكاسات اجتماعية وثقافية
تأثير البطالة لا يقتصر على الجانب الاقتصادي، بل ينعكس على البنية الاجتماعية ككل:
• ارتفاع حالات الاكتئاب والإحباط في صفوف الشباب.
• عزوف متزايد عن الزواج وتكوين أسر.
• تضخم الاقتصاد الغير المهيكل، وممارسات هامشية (مخدرات، سرقة…).
• تراجع المشاركة المدنية والسياسية.
• ارتفاع نسبة الانتحار
بين الخلاص الفردي والانكسار الجماعي
لا تخلو تازة من طاقات بشرية مبدعة ومؤهلة، لكن غياب استراتيجية محلية حقيقية للاحتفاظ بهذه الطاقات يدفع نحو خلاص فردي: “اهرب بجلدك”. هذا التمزق بين الانتماء والانكسار، يجعل الشباب يعيشون في مفارقة مستمرة: يريدون البقاء، لكنهم لا يجدون سببًا مقنعًا.
مطالب واضحة
– إحداث كلية للطب والصيدلة بمدينة تازة لتقريب التكوين الطبي من أبناء الإقليم وتعزيز العرض الصحي مستقبلاً.
– إحداث معاهد عليا جديدة في مجالات الهندسة، التجارة، الإعلام، والفنون.
– خلق قطب جامعي مرتبط بسوق الشغل.
– إحداث منطقة صناعية حقيقية تحتضن استثمارات مشغلة.
– تفعيل آليات مواكبة حقيقية لمشاريع الشباب.
– تشجيع الاستثمار المحلي عبر تسهيلات إدارية ومالية.
– إشراك الشباب في تدبير الشأن المحلي عبر برامج حقيقية للتمكين.
– النهوض بالمجال السياحي عبر دعم الاستثمار وتوفير البنيات التحتية الضرورية.
– تأهيل المدينة القديمة والمواقع الطبيعية لتصبح رافعة سياحية واقتصادية.
تازة لا تُهاجر فقط عبر شبابها، بل تُفرّغ من طاقتها الحية، من نبضها، ومن مستقبلها. وإذا استمرت سياسة الصمت، فلن يبقى سوى المدينة، بلا روح، ولا حياة.