الرأي

ٱلحَلَقةُ ٱلثّالثةُ – ٱلبابُ ٱلثاني: #بابُ_ٱلشَّريعةِ بفاس-ٱلمَغْرب ٱلأقصَى 5/3

مُحمّد تْشِيشْ ٱلتّازي: باحِث وكاتِب في ٱلتّراث وٱلتّاريخ

مِن أبْرَزِ ٱلأبوابِ ٱلتاريخيةِ، لسُورِ مدينةِ فاس #بابُ_ٱلشَّريعةِ؛ حيْث يُعدُّ ٱلبوَّابةَ ٱلرئيسيّةَ لفاسِ ٱلباليِّ، ويَقَعُ في ٱلجِهةِ ٱلشَّماليّةِ ٱلغرْبيّةِ مِن ٱلحاضِرةِ، مِمّا ألَمَّ به بَعضُ مؤَرِّخي ٱلمَغْربِ ٱلأقصَى في ٱلعصُور ِٱلوُسطَى ٱلمتأخِّرةِ. فهُم ْيُقرِّرون، فِيما يخْتصُّ بٱلتجديدِ -ٱلذي أحدَثَه ٱلمُوَحِّدونَ في فاس علَى عهْدِ ٱلسُّلْطانِ يعْقوب ٱلمنْصورِ ٱلمُوَحِّديِّ (580-595ه/1184-1199م)- وأتمَّه ٱبنُه وخلِيفتُه مُحمّدٌ ٱلناصِرُ (595-609ه/1199-1213م)، وأنَّ هذا ٱلأخيرَ هوَ ٱلذي أمَرَ، في سَنَةِ 600ه (1203-1204م)، ببِناءِ بابٍ سُمِّيَ “باب ٱلشّريعةِ”، وذلكَ بَعْدَ إعادةِ بِناءِ سُورِ مَدينةِ فاس، ٱلتي هَدَّمَ أكثرَ أسوارِها مِن قَبْلُ ٱلخليفةُ عبْدُ ٱلمؤْمِنِ بنُ عليٍّ ٱلمُوَحِّديُّ سَنَةَ ٱثنَتَيْنِ وأربَعِينَ وخَمْسِمِئَةٍ (542هـ/1147م)، حِينَ هَدَّمَ قَصَبةَ ٱلمُرابِطِينَ (قَصَبة بُوجْلُود حالياً)، قائلاً مَقُولَتَه ٱلشَّهيرةَ: “إنَّا لا نَحْتاجُ إلى سُورٍ، إنَّما أسْوارُنا أسْيافُنا وعَدْلُنا”. وجَعَل ٱلناصِرُ بِناءَ ٱلبابِ ضخْماً يَلِيقُ بٱلمهمَّة ٱلتي أُعِدَّ لَها، وهيَ تنْفيذُ ٱلعُقوباتِ وإقامةُ ٱلحُدودِ، ولذلكَ سمَّاه “بابُ ٱلشّريعةِ”، شأنُه في ذلِك شأْنُ بابِ ٱلشّريعةِ بمَراكُشَ وبابِ ٱلشّريعةِ بمدينةِ تازَةَ وبابِ ٱلشّريعةِ بٱلأندلُسِ؛ ويُعزِّزُ ذلِكَ ما أشارَ إليْه مُحمَّد بنُ جعْفَر ٱلكتَّانيُّ، صاحِبُ “سلْوَة ٱلأنْفاس …”، في سِياقِ حديثِه عنْ هذا ٱلبابِ حيْث قالَ: “وسُمِّيَ بِ باب ٱلشّريعةِ، لأنَّه مَعْدودٌ لإقامةِ حدُودِها به على مَن وجَبَتْ عليْه”. وقدْ بلَغَ مِن ٱرتفاعِه -فِيما يذْكُر صاحِبُ “جَنيَ زهْرةِ ٱلآس”،- أنَّه “بابٌ يَدخُلُه ٱلفارِسُ بٱلعَلَمِ ٱلعاليِّ، وٱلرامِحُ بٱلرُّمْحِ ٱلطوِيلِ، مِن غيْرِ أنْ يُمِيلَ ٱلعَلَمَ ولا يَنْثَنيَ ٱلرُّمْحُ لٱرتِفاعِه”.
– [“الأنيس ٱلمُطرِب بروْض ٱلقِرْطاس”، لإبن أبي زَرْع (ص271) – “الذَّخِيرة السَّنِّيَّة”، نشْر ابنِ شَنَب (ص 38) – “نُفاضة الجُرَاب في عُلالة الإغتراب”، للِسَان الدّين ابنِ الخَطيب (ج2 ص 265) – “جَنَي زَهْرة الآس”، للجزْنائي (ص 42-43) – “أزهار الريّاض”، للمَقَرِّي (ج3 ص65 و 85) – “جذْوة الإقتِباس”، لإبن القاضي (ص 50-51) – “نَفْح الطِّيبِ”، للمَقَرّي (ج5 ص 156) – “الإستقْصَا”، للسَّلَاوي (ج2 ص 218-219) – “سلْوة الأنْفاس”، للكَتَّاني (ج 3، ص 229) – “الإسلام في ٱلمَغْرب وٱلأندلُس”، لِلِيفي بْرُوفانْسال (صص 74-75)].
ويُعَدُّ هذا ٱلبابُ ٱلأكْثَرَ رُعْباً وإثارةً للهَلَعِ في ٱلنُّفُوسِ.
◄ فقدْ ورَدَ في “الذَّخِيرَة ٱلسُّنِّيَّة” أنَّ أوَّلَ حَدَثٍ حَدَثَ بٱلمَغِرب في أوَّلِ عامِ سِتِّمِائَة[600ه/1203-1204م]، هوَ ٱعتِقالُ ثائرٍ شِيعِيٍّ يُدْعَى بٱلعُبَيْديِّ -وهوَ مِن أحْفادِ ٱلخليفةِ ٱلعاضد، آخِرِ خُلَفاءِ ٱلفاطِميِّينَ في مِصْرَ- وإسمُه مُحمَّد بنُ عبْد ٱللهِ بنِ ٱلعاضد، حيْث كانَ قدْ ٱدَّعَى أنَّه ٱلفاطِميُّ ٱلمَهْديُّ ٱلذي يَنصُرُ ٱلإسلامَ ودَعا لنفْسه بٱلإمَارةِ في جِبالِ وَرْغَةَ بمنْطقةِ وزَّان (مِن أحوازِ مدينةِ فاس)، فظُفِرَ به، فقُتِلَ وعُلِّقَ رأسُه على بابِ ٱلشّريعةِ مِن مدينةِ فاس، بأمْرٍ مِن ٱلخليفةِ ٱلناصِرِ بنِ يعْقوب ٱلمنْصورِ ٱلمُوَحِّديِّ، وأُحرِقَ جسَدُه في وسَطِ ٱلبابِ بَعْد أنْ صُلِبَ عليْه خمْسةَ عشَرَ يوْماً، كيْ يُشاهِدَه ٱلحَشْدُ، وذلِكَ في ٱليوْمِ ٱلذي تَمَّ فيه بابُ ٱلشّريعةِ ٱلمَذكورُ بٱلبِناءِ وٱلإصلاحِ، ورُكِّبتْ مَصارِيعُه، فَأُطْلِقَ علي ذاتِ ٱلبابِ ٱلإسمُ ٱلغالِبُ حالياً وهوَ #بابُ_ٱلمحْرُوق لأجْل حرْقِ ٱلعُبَيْديّ في وسَطه يوْمَ تمَامِه.
– (“الدّخِيرة ٱلسُّنِّيّة في تاريخ ٱلدوْلة ٱلمَرينِية”، ابن أبي زَرْع، ص 38)
– (“نُفاضة الجُراب في عُلالة الإغتِراب”، للِسان الدِّين ابنِ الخَطيب، ج2 ص 265
◄ وفي نفْس ٱلمَصْدرِ ٱلآنِفِ ٱلذِّكْرِ -وقدْ نقَلَ ذاتَ ٱلحَدَثِ أحمَدُ ٱلأنصاريُّ في “ٱلإستِقْصا”-، أنَّ على عهْدِ ٱلأمِيرِ أَبِي بَكْرٍ بنِ عبْدِ ٱلحَقِّ ٱلمَرِينيِّ (وكُنْيَتُه أبُو يَحْيَى)، خرَجَ ثُوارٌ على ٱلحُكومة ٱلمَرينيّةِ. فلمَّا رأَى ٱلأمِيرُ أُبُو بَكْرٍ ٱلمَرِينيُّ ذلِكَ مِنْهم قَبَضَ على أشْياخِ مَدينةِ فاس وأشْرافِها وأُمَنائِها وأَثْقَلَهُم بٱلحَديدِ وثَقَّفَهُم بِدارِ ٱلحَوْزةِ وطالَبَهُم بِمالِه وأثَاثِه وٱلسِّلاحِ ٱلتي ٱنتَهَبُوها مِن خَزَائنِ قَصْرِه، فقَامَ إليْه شيْخٌ مِنْهُم يُعْرَف بٱبْنِ ٱلحَنَّا فقَالَ لَه: يا موْلايَ، إنَّما فَعَلَ ذالِكَ مِنَّا سِتَّةٌ مِن ٱلأشْياخِ فلَا تُؤاخِذْنا بِما فَعَلَ ٱلسُّفَهاءُ مِنًّا، ولَوْ فَعَلْتَ أيُّها ٱلأمِيرُ ما أُشِيرُ به عليْك لكَانَ حَزْماً وصَوَاباً وأدَباً لرَعِيَتِكَ. قالَ: وما تَراه أنْ أصْنَعَ أيُّها ٱلشّيْخُ؟ قالَ: تُخْرِجُ هاؤُلاءِ ٱلأشْياخَ ٱلسِّتَّةَ ٱلذِينَ سَعَوْاْ في ٱلفِتْنَةِ وشَقَّواْ عَصَا ٱلمُسْلِمِينَ وكانُواْ أُسَّ ٱلخِلافِ ورُؤَساءَ ٱلضَّلَالِ وتحَزَّبواْ على ٱلنِّفاقِ إلى ٱلسَّيْفِ، فتَضْرِبُ أعْناقَهُم وتأخُذُ بثأْرِ مَن قَتَلُوه مِن رِجالِكَ وتُشَرِّدُ بهِم مَن خلْفَهُم وتُشعِفُ بهِم مَن سِواهُم وتأخُذُنا نحْنُ بغُرْمِ مالِكَ عُقوبةً لمُتابَعَتِنا إيَّاهُم. قالَ: صدَقْتَ وٱللهِ وأبصَرْتَ ٱلرأيَ ووافَقْتَ ٱلغَرَضَ. فأخرَجَ ٱلأشْياخَ ٱلسِّتَّةَ إلى خارِج بابِ ٱلشريعةِ مِن أبوابِ فاسَ، فضُرِبتْ أعْناقُهُم فقُتِلواْ ورُفِعَتْ على ٱلشُّرُفاتِ رُؤوسُهُم وأُخَذَ ٱلباقِينَ بغُرْمِ ٱلمالِ طوْعاً وكرْهاً …
وكانَ قتْلُ ٱلأشْياخِ ٱلمَذْكورِينَ في شهْر رجَب مِن سَنَةِ ثَمانيّةٍ وأربَعينَ وسِتِّمِئةٍ (رجَب 648ه/ أكتوبر 1250م).
– (“الدّخِيرة ٱلسُّنِّيّة في تاريخ ٱلدوْلة ٱلمَرينِية”، ابن أبي زَرْع، ص 84)
– (“الإستقصا”، أبو العَبّاس أحْمَد ٱلناصِري ج3 ص 16-17)
– (“الإسلام في ٱلمَغرب وٱلأندلُس”، لِيفي بْرُوفانْسال، ص 76)
◄ لمَّا هلَكَ ٱلسلْطانُ أبو عنّان ٱلمَرِينيّ، في ٱلرابِعِ وٱلعشْرينَ لِذي ٱلحِجَّةِ مِن سَنَة تِسْعٍ وخَمْسينَ وسَبْعِمائةٍ (759هـ/1358م)، بمدينةِ فاس دارِ مُلكِه، كانَ ٱلقائمَ بأمْرِ ٱلمَغْربِ بَعْدَه وزيرُه ٱلحسَنُ بنُ عُمَرَ [ٱلفودوديّ، (مِن فودود، أو ٱلفردودي مِن فردود)]، كافِلُ ٱبْنه ٱلسّعِيدِ ٱلذي أخَذَ لَه ٱلبيْعةَ على ٱلنّاسِ، وهوَ طِفلٌ خُماسيٌّ، مُحوِّلاً بذلكَ ٱلأمْرَ عنِ ٱلأميرِ أَبي زيّان ٱلذي كانَ ولِيّاً للعَهْدِ، فٱستَبَدَّ عليْه ومَلَكَ أمْرَه، وحَجَبَ ٱلحسَنُ بنُ عُمَرَ ٱلوَلَدَ ٱلمنْصوبَ للأمْرِ، وأغْلَقَ عليْه بابَه، وتفَرَّدَ بٱلأمْرِ وٱلنَّهْيِ دُونَه، فٱستَقَلَّ ٱلحسَنُ بنُ عُمَرَ بٱلحُكْمِ إلى أنْ ٱضطَرَبَ أمْرُه، وٱنتَفَضَ عليْه بَنُو مَرينٍ، كمَا سيأتي ذِكْرُه في ما يَلِي.
وبَعْدَما ٱستوْلَى ٱلسلْطانُ أبو سالِمٍ ٱلمَرِينيُّ على مُلكِ فاسَ وٱلمَغْربِ، عقَدَ للوَزيرِ ٱلحسَنِ بنِ عُمرَ ٱلفودودي على مَراكُشَ، ووَجَّهَه إليْها تَخفُّفاً مِنه (يعْني أَزاحَهُ وأبعَدَهُ عنْه) وريبةً بمَكانِه مِن ٱلدّوْلةِ … لمّا فصَلَ ٱلوَزيرُ ٱبنُ عُمَرَ إلى مَراكُش وٱستَقرَّ بها، تأثَّلَ (عَظُمَ) لَه بها سُلطانٌ ورِياسةٌ، نَفِسَها أهْلُ مَجلسِ ٱلسلْطانِ -في نُسخةٍ ثانيّةٍ: نَفِسَها عليْه ٱلوُزراءُ بمَجلسِ ٱلسلْطانِ- (أيْ حَسَدوهُ عَلَيْها وَلَمْ يَرَوْهُ أَهْلاً لَها) وسَعَوْاْ في تنَكُّرِ ٱلسلْطانِ لَه، حتّى أظْلَمَ ٱلجَوُّ بيْنَهُما (ساءَتِ ٱلعَلَاقةُ بيْنهُما) وأحَسَّ ٱبنُ عُمرَ بذلكَ، فخَشِيَ على نفْسِه، وخَرَجَ مِن مَراكُش في شَهْرِ صَفَرٍ مِن سَنَة إحدَى وسِتّينَ وسبْعِمائةٍ (صَفَر 761ه/أكْتُوبَر 1360م)، فلَحِقَ بتادِلَّا مُنحَرِفاً عنْ طاعةِ ٱلسلْطانِ ومنْشَقّاً عنْه … فسرَّحَ إليْه ٱلسلْطانُ أبو سالِمٍ وزيرَه ٱلحسَنَ بنَ يوسُفَ ٱلورْتاجْنيّ في حَركةٍ إلى تادْلاَ في طلَبه فٱحتَلَّ بها، وٱنشَمَرَ (أسرَعَ) ٱبنُ عُمرَ ٱلفودودي إلى ٱلجبَلِ بها فٱعتَصمَ به ومَنْ معَه. فأحاطَتْ بِهِم ٱلعَساكِرُ وأخَذواْ بمَخْنَقِهِم (حاصَروهُم وضيَّقواْ عليْهم ٱلخِناقَ)، وتقَبَّضواْ على ٱلحَسَنِ بنِ عُمَرَ، فٱعتَقلَه ٱلوَزيرُ ٱبنُ يوسُفَ وٱنكَفَأَ راجِعاً (ٱنقَلَبَ راجِعاً) به إلى ٱلحَضْرةِ. وقدِمَ به على ٱلسلْطانِ في يوْمٍ مشْهودٍ، وٱسترْكَبَ ٱلسلْطانُ فيه ٱلجُنْدَ وجلَسَ ببُرْجِ ٱلذّهَبِ مقْعَده في ساحةِ ٱلبَلَدِ فحُمِّلَ ٱلحسَنُ بنُ عُمرَ على جَمَلٍ فَطِيفَ به بيْن تلكَ ٱلجُموعِ، ولمَّا قَرُبَ مِن مجْلِسِ ٱلسلْطانِ أَوْمَأَ إلى تقْبيلِ ٱلأرْضِ مِن فوْقِ جَمَلِه، ثُمَّ ٱنفَضَّ ٱلجمْعُ (تفرَّقَ) بَعْدما رَكِبَ ٱلسلْطانُ إلى قصْرِه، وقدْ شُهِرَ ٱلحسَنُ بنُ عُمرَ وأصحابُه وصارواْ عِبْرةً مِن عِبَرِ ٱلدّنْيا … بَعْدَ ذلكَ ٱقتَعَدَ ٱلسلْطانُ أريكَتَه داخِلَ قَصْرِه وٱستدْعَى خاصَّتَه وجُلَساءَه، فأُحضِرَ ٱبنُ عُمرَ فوَبَّخَه وقرَّرَ عليْه مُرتَكَبَه، فتلَوَّى بٱلمَعاذيرِ(تسَتَّر بٱلأعذارِ) وفزِعَ إلى ٱلإنكارِ. ومِن بيْن ٱلعِلِّيَّةِ وخاصَّةِ ٱلسلْطانِ ٱلحاضِرينَ، كانَ عبْدُ ٱلرحْمنِ بنُ خَلْدون، حيْث كَتَبَ في “ٱلعِبَر”: “وحضَرْتُ هذا ٱلمَجلِسَ يوْمَئذٍ فيمَنْ حضَرَه مِن ٱلعِلِّيَّةِ وٱلخاصَّةِ، فكانَ مَقاماً تَسيلُ فيه ٱلعُيونُ رَحْمةً وعِبْرةً”. ثُمَّ أمَرَ به ٱلسلْطانُ فسُحِبَ على وجْهِه، ونُتِفَتْ لِحْيَتُه، وضُرِبَ بٱلعِصِيِّ، وتلَّ (نُقِلَ) إلى محْبَسِه، وقُتِلَ بَعْد لَيالٍ مِن ٱعتِقالِه قَعْصاً بٱلرِّماحِ بساحةِ ٱلبَلَدِ، ونُصِبَ شِلْوُه بسُورِ ٱلبَلَدِ عنْ بابِ ٱلمَحْروقِ، وأصبَحَ مثَلاً في ٱلآخِرينَ.
– (“العِبَر – تاريخ ابن خلْدون”، ابن خلْدون، ج6 ص 362 و545، ج7 ص 163/ 164 – 396/397 – 410 – 439/440)
– (“الإستقصا”، أبو العَبّاس أحَمَد ٱلناصِري، ج3 ص 32-33)
◄ ويُشاعُ أنّ هذا ٱلبابَ شَهِدَ أيضاً مَشاهِدَ مؤْلِمةً وأحداثاً جسِيمةً وتصْفياتٍ جسَديةً فظيعةً، طالَتْ عَدداً مِن رِجالِ ٱلدوْلةِ، وُعُلِّقَتْ تحْت قوْسِه عَددٌ مِن جُثثِ ورُؤوسِ كِبارِ ٱلعُلَماءِ وٱلقُضاةِ وٱلوُزراءِ، ومِن أشهَرِهم ٱلأديبُ ٱلوَزيرُ ٱلأندلُسيُّ لِسانُ ٱلدّينِ بنِ ٱلخَطيبِ. وقدْ وصَفَ ٱبنُ خَلْدُون نَكْبَةَ ٱبنِ ٱلخَطيبِ -وكانَ مُعاصِراً له- في كِتابه “العِبَر أوْ تاريخُ ٱبنِ خَلْدُون” (ونقلَها عنْه بأكمَلِها أحْمَد ٱلمَقَرِّي ٱلتِّلمْسانيّ في “أزْهار ٱلرِّيّاض في أخْبارِ عَيّاض”، وكذلِك في “نَفْحِ ٱلطِّيبِ”)، حيْث لَجَأَ لِسانُ ٱلدِّينِ فارّاً مِن ٱلأندلُسِ إلى ٱلمَغرِبِ وٱستَقَرَّ بٱلعاصِمةِ فاس في حِمايةِ ٱلسلْطانِ أبِي فارِسٍ عبْدِ ٱلعَزيزِ ٱلمَرينيِّ، بَعْدَ أنِ ٱتُّهِمَ بٱلزنْدَقة، بسبَبِ ما ورَدَ في كِتابه “روْضةُ ٱلتعْريفِ بٱلحُبِّ ٱلشّريفِ”، مِن طرَف أعْدائهِ بٱلأندلُسِ -وأوَّلُهُم سُليْمانُ بنُ داوُد، وزيرُ ٱلسلْطانِ ٱبنِ ٱلأحْمَرِ- ٱلذِين وَشَواْ به عِندَ ٱلسلْطانِ ٱلمَرينيّ أبي ٱلعبّاسِ أحمَد بن أبي سالِم، ٱلملَقَّب بٱلمسْتَنصِر بٱللهِ، فأحضَرَ هذا الأخيرُ ٱبنَ الخطيبِ في مَجلِسِ ٱلخاصَّةِ وأهْلِ ٱلشُّورَى، فوُبِّخَ ونُكِّلَ وٱمتُحِنَ بٱلعَذابِ، ثُمَّ تُلَّ (نُقِلَ) إلى محْبَسِه. ودَسَّ سليْمانُ بنُ داوُدَ إليْه لبَعْضِ ٱلأوْغادِ مِن حاشِيَتِه بقَتْلِه، فطَرَقُواْ ٱلسِّجْنَ لَيْلاً، وقَتَلوهُ خَنْقاً في مَحْبَسِه، وأخرَجواْ شِلْوَهُ مِن ٱلغَدِ، فدُفِنَ في مَقْبَرةِ بابِ ٱلمَحْرُوقِ، ثُمَّ أصْبَحَ مِن ٱلغَدِ على شَأِفَةِ قَبِرِه طَريحاً، وقدْ جُمِعتْ لَه أعوادُ وأُضرِمَتْ عليِه ناراً، فٱحْتَرَقَ شَعْرُه، وٱسْوَدَّ بَشَرُه، وأُعِيدَ إلى حُفْرَتِه، وكانَ في ذلك ٱنتِهاءُ مِحْنَتِه، سَنَةَ 776هـ/ 1374م.
ويُقالُ إنَّ حادِثةَ إحراقِ جُثّةِ لِسانِ ٱلدّينِ بنِ ٱلخَطيبِ في بابِ ٱلمحْروقِ تسبَّبتْ في غضَبِ وتذَمُّرِ ساكِنةِ مدينةِ فاس؛ وبَعْد هذه ٱلواقِعةِ، صارَ ٱلبابُ يرْمزُ فِعلاً لتلكَ ٱلحادثةِ، وصارَ سُكَّانُ ٱلمدينةِ يَربِطون ٱلبابَ بواقِعةِ إحْراقِ ٱبنِ ٱلخَطيبِ …
لكِنْ يجَدُرُ أنْ نُشِيرَ إلى ما قالَهُ ٱلمَقَرِّي في ”نفْح ٱلطِّيب …”، وهوَ يتحدّثُ عنْ قبْرِ لِسانِ ٱلدّينِ بنِ ٱلخَطيبِ: {قُلتُ: وقدْ زُرتُ قبْرَه مِراراً، رحِمَه ٱللهُ تعالَى، بفاس ٱلمحْروسةِ فوْقَ بابِ ٱلمدينةِ ٱلذي يُقالُ لَه بابُ ٱلشّريعةِ، وهوَ يُسمَّى ٱلآنَ بابُ ٱلمحْروقِ، وشاهَدتُ موْضِعَ دفْنِه …، ويزْعُمُ ٱلجُلُّ مِن عَوَامِّ فاس أنّ ٱلبابَ ٱلمذْكورَ إنَّما سُمِّيَ ببابِ ٱلمحْروقِ لأجْلِ ما وقَعَ مِن حرْقِ لِسانِ ٱلدّينِ به حِينَ أخرَجَه بعْضُ أعْدائه مِن حُفرَته، كمَا مَرَّ؛ وٱلخبَرُ ٱلصحِيحُ ليْس كذلكَ، وإنَّما سُمِّيَ “بابَ ٱلمحْروقِ” في عصْر دوْلةِ ٱلمُوَحِّدِين (ق 7ه/13م)، قبْلَ أنْ يُوجَدَ لِسانُ ٱلدّينِ ولَا أبُوهُ، بسبَبِ ثائرٍ ثارَ على ٱلدوْلةِ، فَاُمْسِكَ وَأُحْرِقَ في ذلك ٱلمحَلِّ …}، يَعْني بَعْد مُرورِ أكْثَر مِن 175 سَنَة، حيْث لمْ تقَع حادِثةُ ٱبنِ ٱلخَطيبِ ٱلمشْهورةُ إلَّا في عهْدِ دوْلةِ بَنِي مَرِين (ق 8ه/14م).
– “العِبَر أوْ تاريخُ ٱبنِ خَلْدُون” ج 7 ص 452-453
– “أزْهار ٱلرِّيّاض في أخِبارِ عَيّاض”، أحْمَد ٱلمَقَرِّي ٱلتِّلمْسانيّ، ج 1 صص 229/231
– “نَفْحِ ٱلطِّيبِ”، أحْمَد ٱلمَقَرِّي ٱلتِّلمْسانيّ، ج 5 صص 110/111-156
◄ لمّا توَلَّى أمْرَ أفْريقيّةَ/تُونُس (ٱلمَغْرِب ٱلأدنَى) أبُو فارِسٍ بَعْد وفاةِ أبيهِ ٱلسُّلطانِ أبِي ٱلعَبّاسِ ٱلحَفْصيِّ، وَزَّعَ ٱلوَظائفَ على إخْوَتهِ … وكانَ مِن جُملَتهم أخُوهُ أبُو بَكْرٍ بن ٱلعَبّاسِ بقُسنْطينةَ (ٱلمَغْرب ٱلأوْسَط)، فنازَعهُ بها ٱبنُ عمِّهِ ٱلأميرُ أبُو عبْدِ ٱللهِ مُحمَّدٌ بنُ أبِي زَكرِيَّاءَ ٱلحَفْصيُّ، صاحِبُ بُونَةَ (عَنَّابَة – ٱلمَغْرب ٱلأوْسَط)، فأوْقَعَ به ٱلسُّلطانُ أبُو فارِسٍ ٱلحَفْصيُّ على سِيبُوسْ وقْعَةً شَنْعَاءَ، ٱنتَهَتْ به هَزيمَتُها إلى فاسَ (ٱلمَغْرب ٱلأقصَى) مُستَصرِخاً صاحِبَها، وهوَ يوْمئذٍ أبُو فارِسٍ ٱلمَرينيَّ، فأقامَ أبُو عبْدِ ٱللهِ بفاسَ إلى سَنَةِ عَشْرٍ وثَمانِمائةٍ (810هـ/1407م) في عَصْرِ دوْلةِ ٱلسُّلطانِ أبِي سَعيدٍ ٱلمَرينيِّ؛ وفي نفْسِ ٱلسَّنَةِ، قَدِمَتْ طائفةٌ مِن أعرابِ إفْريقيّةَ مِن سَليمٍ إلى حَضْرةِ فاسٍ مُستنْجِدِينَ ٱلسُّلطانَ أبَا سَعيدٍ على صاحِبِهم ٱلسُّلطانِ أبِي فارِسٍ ٱلحَفْصيِّ، فعَقَدَ ٱلسُّلطانُ أبُو سَعيدٍ للأميرِ أبي عبْدِ ٱللهِ ٱلحَفْصيِّ -ٱلمُنهَزمِ بسِيبُوسَ- على جيْشٍ مِن بَنِي مَرينٍ وغيْرِهم وبَعثَه مع ٱلعَربِ؛ فلمَّا ٱنتَهَى إلى بِجايَةَ (ٱلمَغْرب ٱلأوْسَط) تلَقَّتْه أعْرابُ أفْريقيّةَ طائعةً فهانَ لَه أمْرُ تُونُسَ، فرَدَّ ٱلجيْشَ ٱلمَرينيَّ وقصَدَها بمَن ٱنْضَمَّ إليْه مِن ٱلحُشودِ، فأخَذَ بِجايةَ، ثُمَّ زَحَفَ إلى ٱلسُّلطانِ أبِي فارِسٍ ٱلحَفْصيِّ فخالَفَه هذا ٱلأخِيرُ إلى بِجَايَةَ فٱفْتَكَّها (دَخَلَ بِجايَةَ على غَفْلةٍ مِنْه، فٱستوْلَى عليْها بٱلقُوَّةِ وٱلغَدْرِ) مِن يَدِ وَلِيِّها ووَجَّهَ به (أمَرَ بإرْسالِه) مع جَماعةٍ مِن كِبارِ أهْلِها مُعتَقَلِينَ إلى ٱلحَضْرةِ، ونَهَضَ لقِتالِ ٱبنِ عمِّه أبِي عبْدِ ٱللهِ ٱلمَذكورِ، فنَزَعَ ٱلمَرابِطَ عنْه إلى ٱلسُّلطانِ أبِي فارِسٍ لعَهْدٍ كانَ بيْنَهما، فٱنْفَضَّ جمْعُ أبِي عبْدِ ٱللهِ، وقُتِلَ وٱحْتُزَّ رأسُه ووَجَّهَه ٱلسُّلطانُ أبُو فارِسٍ ٱلحَفْصيُّ مع مَن علَّقَه ببابِ ٱلمَحرُوقِ أحدِ أبْوابِ فاسَ، إغاظةً للسُّلطانِ أبِي سَعيدٍ ٱلمَرينيِّ، صاحِبِ فاسَ آنَذاكَ، وذلكَ سَنَة ٱثْنتَيْ عَشْرة وثَمانِمائةٍ (812ه/1409-1410م).
– (“الإستقصا”، أبو العَبّاس أحْمَد ٱلناصِري، ج4 ص 90-91)
◄ ولقدْ تَوالتْ ٱلثّوَراتُ في حِقَبٍ مُتَتابِعةٍ ومُختَلِفةٍ عَبْرَ تاريخِ بِلادِ ٱلمَغرِبِ، وٱقْتَرنَتْ بها إقامةُ حدُودِ ٱلشّريعةِ وتنْفيذُ ٱلعُقوباتِ على مَن وجَبَتْ عليْه؛ فٱتَّسَمَ بابُ ٱلمَحرُوقِ [بابُ ٱلشّريعةِ] بطابَع ٱلقتْلِ وٱلتَّنْكيلِ، مِن كثْرةِ ما كانَ يُعلَّقُ فوْقَه وفوْقَ شُرُفاتِ ٱلأسْوارِ ٱلمُحاذيّةِ لَه مِن رُؤوسِ قَتْلَى ٱلثُّوَارِ وٱلمُذْنِبِينَ وٱلمَغْضوبِ عليْهم مِن ٱلسّلَاطينِ، في مُختَلَفِ ٱلعُصورِ ٱلتاريخيّةِ، إلى بداياتِ ٱلقَرْنِ ٱلعِشْرِينِ…حتّى صارَ يُضْرَبُ به ٱلمَثَلُ في فاسَ ويُقال: “قطِّعْ لي راسِي وعَلّْقُو على بابِ ٱلمحْروقِ”. وذَكَرَ ٱلجزْنائي في “جَنَي زَهْرة ٱلآس…” أنَّ آخِر ٱلرُّؤوسِ ٱلتي عُلِّقتْ عليْه رُؤوسُ ٱلثُّوارِ أصحابِ ٱلثائرِ ٱلجيلالي ٱلزرْهوني ٱلمَعروفِ ب “بُوحْمَارة”، عُلِّقَتْ عليْه بَعْدَ إعدامِه وإعدامِهم في عهْدِ ٱلسلْطانِ ٱلعَلَويِّ مَوْلايَ عبْدِ ٱلحَفيظِ، وذلِكَ سَنَة 1327ه (يوم 18 شعبان 1327ه/2 شتنبر1909م).
– (“نُفاضة ٱلجُراب في عُلالة ٱلإغتراب”، لِسان ٱلدِّين ٱبن ٱلخَطيب، ج2 ص 265)
– (“جَنَي زَهْرة ٱلآس…”، علي ٱلجزْنائي، ص 104)
— يُتْبَع في ٱلحَلَقةِ ٱلرّابِعةِ …/…

رابط الحلقة الأولى: https://www.tazacity.net/2025/08/14/%d8%a8%d8%a7%d8%a8%d9%8f_%d9%b1%d9%84%d8%b4%d9%8e%d9%91%d8%b1%d9%8a%d8%b9%d8%a9%d9%90-%d9%81%d9%8a-%d9%85%d9%8f%d8%af%d9%8f%d9%86-%d9%b1%d9%84%d8%ba%d9%8e%d8%b1%d9%92%d8%a8-%d9%b1%d9%84%d8%a5/

رابط الحلقة الثانية: https://www.tazacity.net/2025/08/15/%db%9e-%d9%b1%d9%84%d8%ad%d9%8e%d9%84%d9%8e%d9%82%d8%a9%d9%8f-%d9%b1%d9%84%d8%ab%d9%91%d8%a7%d9%86%d9%8a%d9%8e%d9%91%d8%a9%d9%8f-%d9%b1%d9%84%d8%a8%d8%a7%d8%a8%d9%8f-%d9%b1%d9%84%d8%a3%d9%8f%d9%88/#google_vignette

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى