وسط المنحدرات الوعرة والسهول الخصبة لقرى إقليم تازة، لا يزال طقس “توقاف التبن” شامخًا كرمز للأصالة والتشبث بتراث الأجداد، في وقت تتسارع فيه وتيرة التحديث والميكنة الفلاحية. هذا الطقس، الذي يُعرف محليًا بـ”الثمون”، يُعد من أقدم العادات الفلاحية المرتبطة بموسم الحصاد، ويشكل محطة مهمة في الدورة الزراعية القروية.
في مشهد تختلط فيه رائحة التبن بضحكات الأطفال وهم يساعدون آباءهم، تتجسد روح التضامن القروي في أبهى صورها من خلال “تويزة”، وهي شكل من أشكال التعاون الجماعي، حيث يجتمع رجال ونساء وأبناء الدوار لإنجاز هذه المهمة التي تتطلب دقة وصبرًا ومهارة متوارثة.
وتتم عملية “توقاف التبن” بتكويم التبن في شكل هندسي مستطيل ومُحكم، غالبًا ما يُبنى فوق سطح مرتفع أو بالقرب من الإسطبلات، ليكون جاهزًا لتغذية الماشية خلال فصل الشتاء، حيث تشتد الحاجة للأعلاف بسبب ندرة الكلأ.
ورغم ما عرفته الفلاحة من تطور تقني واعتماد الآلات الحديثة في جمع المحاصيل وتخزينها، فإن ساكنة هذه القرى الجبلية بإقليم تازة ما زالوا متمسكين بهذا الطقس، ليس فقط لأهميته العملية، بل أيضًا لما يحمله من قيم رمزية وروحية تعكس العلاقة العميقة بين الإنسان وأرضه، وبين الجماعة وتقاليدها.
وفي حديث مع عمي أحمد، فلاح ستيني من جماعة باب مروج، قال:
“توقاف التبن ماشي غير خزان ديال العلف، راه كيعني لينا الهمة، الشدة، والتعاون. منين كيجيو الجيران يعاونونا، كنحسّو بحلاوة الحياة فالدوّار، وكل كومة تبن فيها حكاية وأثر ديال ناس خدمو بيدهم وعرق جبينهم.”
“توقاف التبن” ليس مجرد فعل فلاحي موسمي، بل هو احتفاء متجدد بالهوية القروية، ودرس مفتوح في التآزر والتكافل، في زمن باتت فيه مظاهر الفردانية تزداد اتساعًا. وبين ثنايا هذا الطقس، يعيش الناس لحظات استرجاع لذاكرة خصبة، تسكنها حكايات الجدّات وعرق الفلاحين، ودفء الانتماء إلى الأرض.