عزيز توزاني
تعدّ الأميرة كنزة الأوربية البرنوسية من أبرز نساء المغرب في العصر الإسلامي المبكر، فهي ابنة إسحاق بن محمد بن عبد الحميد الأوربي، وزوجة المولى إدريس بن عبد الله مؤسس الدولة الإدريسية، وأم المولى إدريس الثاني، وجدة الأمراء الأدارسة، وقد ارتبط اسمها بنشأة أول دولة مغربية مستقلة، وأسهمت بذكاء وحكمة في تثبيت أركانها واستمرارها ..
عاشت كنزة خلال فترة ازدهار الحضارة الإسلامية في القرنين الثاني والثالث الهجريين (الثامن والتاسع الميلاديين)، وهي المرحلة التي بلغ فيها المسلمون أوج تقدمهم العلمي والحضاري، وفي هذه البيئة المشرقة نشأت شخصيتها التي جمعت بين النسب الرفيع والحكمة السياسية ..
ينتمي أصلها إلى قبيلة أوربة البرنوسية الواقعة شمال تازة على ضفاف وادي لحضر، وتشير الروايات المحلية والدراسات الميدانية إلى أن موطنها كان بمنطقة «دار الفرح» أو «دار القضاة» قرب النخاخسة والكوزات بدائرة تايناست، وهي المنطقة التي استقبلت الإمام إدريس الأول بعد قدومه إلى المغرب، ومنها بدأت اللبنات الأولى للدولة الإدريسية ..
بعد أن جاب إدريس الأول بلاد المغرب سنتين، استقر بين أوربة، فزوّجه زعيمها ابنته كنزة، المعروفة بالجمال والعقل والدين والحياء، وكان لهذا الزواج أثر سياسي كبير، إذ أصبح أهل أوربة أخوال أبناء إدريس، فكانوا أول من ناصره وبايعه، ثم التفّت حوله القبائل المغربية الأخرى ..
وترتبط بقبيلة أوربة رواية تاريخية متوارثة مفادها أن بيعة المولى إدريس الأول وزواجه من كنزة تمّا تحت شجرة زيتون بري معمرة عرفت لاحقاً بشجرة البرية ومنذ ذلك الحين أصبح المكان مقصداً سنوياً لإحياء ذكرى هذا الحدث التاريخي فيما يعرف بلامة البرية، وهو موسم ديني واجتماعي يجتمع فيه الناس لتلاوة القرآن وإحياء التراث وتأكيد الارتباط بذكرى تأسيس الدولة المغربية ..
وعندما اغتيل إدريس الأول، برز دور كنزة السياسي بوضوح، إذ تولت رعاية ابنها إدريس الثاني وتوجيه شؤون الدولة حتى بلغ سن الحكم، ثم عادت إلى الواجهة بعد وفاة ابنها سنة 213هـ/828م، حيث ساهمت في الحفاظ على وحدة الدولة الإدريسية، فأشارت بتولية حفيدها محمد بن إدريس إماماً للمسلمين، مع توزيع الولايات على إخوته الثمانية، تجنباً للصراع والانقسام، وقد نجحت هذه السياسة في حفظ استقرار الدولة واستمرارها ..
ومن ثمّ كانت كنزة أميرة بنت أمير، وزوجة أمير، وأم أمير، وجدة أمراء، ولولا دورها في حماية الدولة ورعاية إدريس الثاني لما استمرت الدولة الإدريسية، ولما قامت مدينة فاس بما أصبحت عليه من مكانة علمية وحضارية، ومنها جامعة القرويين لاحقاً ..
ولا يعرف على وجه الدقة تاريخ ميلادها أو وفاتها، غير أنها عاشت بعد وفاة زوجها وابنها في دار الملك بفاس، تشرف على تربية أحفادها وتتابع شؤون الأسرة الحاكمة، كما يرجح أنها كانت تزور حفيدها الأمير داوود بن إدريس الثاني، والي تازة، الذي شيد جامع السوق سنة 263هـ، أحد أقدم الآثار الإسلامية المغربية المعروفة ..
وإذا كان التاريخ قد أغفل كثيراً من تفاصيل حياتها، فإنه حفظ لها مكانتها في الذاكرة المغربية باعتبارها إحدى أبرز النساء اللواتي أسهمن في بناء الدولة المغربية وترسيخ دعائمها، كما بقي ضريحها بجوار ضريح زوجها المولى إدريس الأكبر بالزاوية الزرهونية شاهداً على سيرتها ومكانتها في تاريخ المغرب ..