تشهد عدة جهات بالمملكة خلال الآونة الأخيرة حركية لافتة وغير مسبوقة داخل دواليب الإدارة الترابية، وذلك في أعقاب صدور تعليمات مركزية صارمة تستهدف وضع حد لحالة الفوضى التي باتت تطبع قطاع التعمير، والتي كشفت عنها تقارير رقابية وصفت بالثقيلة، عرّت عن اختلالات بنيوية عميقة في تدبير ملفات التجزئات العقارية والمشاريع الكبرى.
ووفق المعطيات المتوفرة، فقد رصدت هذه التقارير ممارسات غير سليمة، من بينها تعطيل متعمد لمساطر منح التراخيص، وهو ما أدى إلى تحويل بعض الجماعات الترابية من فضاءات يفترض أن تشجع الاستثمار إلى عوائق حقيقية أمامه، الأمر الذي أثار استياء عدد من المستثمرين وطرح تساؤلات جدية حول حكامة القطاع.
هذا الوضع دفع السلطات المختصة إلى تفعيل مساطر مساءلة فورية في حق عدد من المسؤولين والمنتخبين، وسط حديث عن قرارات مرتقبة بالإعفاء وإجراءات تأديبية حازمة في حق المتورطين في هذه الاختلالات، في إطار توجه يروم تكريس مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
وفي السياق ذاته، جرى إحالة مجموعة من الملفات التي وُصفت بـ“الملغومة” على أنظار القضاء، وذلك على خلفية شبهات تتعلق بالتزوير والتحايل، من خلال إعادة استعمال رخص منتهية الصلاحية، إضافة إلى خروقات أخرى تمس شفافية تدبير قطاع التعمير.
كما فجّرت شكايات عدد من المستثمرين معطيات خطيرة، من بينها احتجاز ملفاتهم لمدد طويلة قد تمتد لأشهر، وفرض مسارات إدارية غير قانونية، ما ساهم في تعميق أزمة الثقة في هذا القطاع الحيوي، الذي يعد من الركائز الأساسية لتحفيز الاقتصاد الوطني.
وفي مواجهة هذه الوضعية، سارعت السلطات إلى اتخاذ إجراءات عملية لإعادة ضبط القطاع، من خلال تشديد آليات المراقبة، وتسريع وتيرة معالجة الملفات، والعمل على تخليق المرفق العام، بما يضمن تحسين مناخ الأعمال واستعادة ثقة المستثمرين، في واحد من أكثر الملفات حساسية وتأثيراً على التنمية الاقتصادية بالمملكة.