الرأي

السياسة والشطرنج بإقليم تازة… حين يتحارب “الجنود” ويتقاسم “اللاعبون” الكعكة

أبو محمد علي
في رقعة الشطرنج، يبدو الأبيض والأسود عدوين لا يلتقيان، صراعٌ حتى آخر نفس، حيث لا مكان للحياد ولا فرصة للتراجع. غير أن هذه الصورة، على بساطتها، تخفي حقيقة أكثر تعقيدًا… حقيقة لا يراها “الجنود”، أولئك الذين يُدفع بهم إلى الواجهة باسم النضال والالتزام السياسي.
في “رقعة” الاستحقاقات الانتخابية بإقليم تازة، يولد المناضل مقتنعًا بشيء واحد: أن اللون الذي ينتمي إليه هو الحق المطلق، وأن خصمه هو النقيض الذي يجب إسقاطه. يتقدم خطوة… ثم أخرى… ليجد نفسه في قلب معركة لم يختر تفاصيلها، ولم يطلع على كواليسها.
الفيل يندفع، الحصان يقفز، القلعة تهاجم… والجميع في حالة استنفار. شعارات تُرفع، خصومات تشتد، صداقات تتكسر، وكأن الأمر يتعلق بقضية مصيرية لا تقبل القسمة. لكن خلف هذه الحركية الصاخبة، هناك مشهد آخر لا يُرى بسهولة.
لو رفع أحد “الجنود” رأسه قليلًا، لاكتشف مفارقة تستحق التأمل: خارج الرقعة، يجلس “اللاعبان” جنبًا إلى جنب. لا صراخ، لا صدام، فقط فنجان قهوة وحديث هادئ… وربما ضحكات خافتة. يتصافحان أحيانًا، يتقاسمان “الكعكة”، ثم يعود كل واحد منهما إلى موقعه… ليُحرك القطع من جديد.
هنا، الأبيض يهاجم الأسود، والأسود يرد الضربة، لكن اليدين اللتين تحركان المشهد لم تكونا يومًا في حالة عداء حقيقي. الصراع في الواجهة… والتفاهم في الكواليس.
في تازة، كما في غيرها، تتكرر نفس اللوحة مع كل محطة انتخابية: يتم إعداد الرقعة بعناية، اختيار “الجنود” بدقة، توزيع الأدوار بإحكام، بينما الكعكة تمتد لتشمل ما هو أبعد من حدود الإقليم. وعندما تبدأ الجولة، ينخرط الجميع في المعركة… إلا من يديرها.
المفارقة الساخرة أن بعض “المناضلين” يدافعون بشراسة عن مواقع لا يملكون مفاتيحها، ويخوضون صراعات شخصية باسم مبادئ كبرى، في حين أن “اللاعبين الكبار” قد حسموا قواعد اللعبة سلفًا، وتركوا التفاصيل للواجهة.
فهل يمكن كسر هذه القاعدة؟
هل يستطيع “الجنود” أن يدركوا أنهم جزء من لعبة أكبر؟
وهل يمكن يومًا أن تُصنع رقعة جديدة، بقواعد مختلفة، يكون فيها القرار بيد من يتحرك… لا من يُحرَّك؟
أسئلة قد تبدو حالمة في زمن الحسابات الضيقة، لكنها تظل ضرورية. لأن أخطر ما في اللعبة ليس أن تخسر… بل أن تظل تلعب دون أن تدرك من يحدد لك اتجاه القطع.
في النهاية، الشطرنج ليس مجرد لعبة… بل مرآة دقيقة لواقع سياسي، حيث لا يُقاس الذكاء بعدد الحركات، بل بقدرة اللاعب على فهم من يجلس خلف الرقعة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى