تشير معطيات متقاطعة من كواليس المشهد السياسي بإقليم تازة إلى بداية تشكّل تنسيق ثلاثي غير معلن بين ثلاثة فاعلين سياسيين بارزين، أو ما يمكن تسميتهم بـ“عرّابي الانتخابات”، في إطار تحركات مبكرة تهدف إلى رسم معالم الخريطة الانتخابية للاستحقاقات التشريعية والجماعية المرتقبة خلال سنتي 2026 و2027. هذا التنسيق، الذي يجري بعيداً عن الأضواء وأعين المتابعين وحتى بعض الفاعلين الحزبيين المحليين، يسعى بالأساس إلى ضبط قواعد المنافسة وتقليص عدد المرشحين الكبار داخل الإقليم.
ووفق المعطيات المتوفرة، يشتغل هذا الثلاثي على استراتيجية تقوم على تقليص عدد المرشحين الأقوياء إلى حدود دنيا قد لا تتجاوز ستة أسماء فقط، وذلك بهدف الحفاظ على التوازنات الانتخابية وضمان استمرار تموقعهم داخل المؤسسات المنتخبة، خاصة على مستوى البرلمان. كما يراهن هذا التنسيق على التحكم النسبي في مخرجات انتخابات الجماعات الترابية والمجلس الإقليمي، إضافة إلى المقاعد المخصصة لمستشاري الجهة، وهي رهانات ترتبط أيضاً بطبيعة اللوائح الانتخابية التكميلية التي تبقى في كثير من الأحيان خاضعة لسلطة وكلاء اللوائح أو لاعتبارات التوافقات الداخلية وترضية الخواطر.
ولا يقف هذا التنسيق عند حدود الانتخابات التشريعية فحسب، بل يمتد إلى محاولة إعادة توزيع مراكز القرار المحلي، خاصة ما يتعلق برئاسة الجماعات الترابية داخل إقليم تازة، إلى جانب رئاسة المجلس الإقليمي. ويبدو أن رهان هذا الثلاثي يقوم على فرض تحالف محلي قادر على مواكبة التحالف الحكومي المتوقع بعد انتخابات أكتوبر 2026، خاصة في حال تصدر حزبين من مكونات هذا التنسيق للمشهد الانتخابي على الصعيدين الوطني والمحلي، مع السعي في المقابل إلى رفع حظوظ الحزب الثالث خلال انتخابات مجلس النواب المرتقبة في 24 شتنبر.
وقد ساهمت مجموعة من المعطيات المحلية في تعزيز تقارب هذا الثلاثي، من بينها حالة الانقسام التي تعيشها جماعة تازة، إلى جانب الوضع السياسي في عدد من الجماعات الترابية مثل باب مرزوقة وآيت سغروشن، إضافة إلى دائرة أكنول التي شكلت بدورها محور لقاءات غير معلنة خلال اليومين الماضيين، في سياق مشاورات ترمي إلى إعادة ترتيب الأوراق وتحديد مناطق النفوذ الانتخابي.
غير أن هذا التحالف لا يخلو من تعقيدات، إذ تشير بعض المؤشرات إلى أن أحد أركانه يلعب على أكثر من واجهة سياسية، حيث يسعى في الظاهر إلى إقناع حلفائه بأنه يتولى مهمة تتبع تحركات الخصوم ورصد خطواتهم، بينما تشير قراءات أخرى إلى إمكانية استعمال هذه المعطيات أحياناً في تضليل المنافسين أو حتى خلق ارتباك داخل معسكراتهم من خلال تسريب معلومات غير دقيقة أو مبالغ فيها.
ومن اللافت أيضاً أن هذا التنسيق الثلاثي لا يشتغل وفق اجتماعات جماعية مكتملة، بل يعتمد أسلوب العمل الثنائي في محور يمتد بين الرباط وتازة، حيث تتم اللقاءات بشكل منفصل وعلى مراحل، في محاولة للحفاظ على سرية المشاورات وتفادي تسرب تفاصيلها إلى الفاعلين السياسيين الآخرين داخل الإقليم.
ومع ذلك، يبقى مستقبل هذه الترتيبات رهيناً بعدة عوامل، أبرزها قدرة هذا التنسيق على الصمود أمام التغيرات السياسية المحتملة، وكذا ردود فعل باقي الفاعلين السياسيين المحليين. لكن الرهان الأكبر يظل معقوداً على الشارع التازي، الذي قد يكون الكلمة الفصل في أي معادلة انتخابية قادمة، خاصة في ظل تنامي مطالب التغيير وإعادة تجديد النخب السياسية داخل الإقليم.