الثقافية

أعلام تازة… عبد السلام التسولي المجدولي التازي (كان حيّا: سنة 1340ه/ 1922م) – الحلقة الحادية والعشرين

إعداد عزيز توزاني
أول مهندس مغربي في الكيمياء الصناعية خريج مدرسة المعادن ببرلين بألمانيا
هو عبد السلام بن عبد الرحمن المجدولي 115 التسولي التازي، عاش في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، مهندس مناجم متخصص في الكيمياء الصناعية. من الطلبة المتفوقين الذين بعثهم السلطان الحسن الأول للدراسة في الخارج. ولما عاد إلى المغرب مهندسا في “علم المعادن”
لم يجد ما يفعله، فأنهى رحلته العلمية اب ( uain)
لرحلة ثانية فاتت في جغرافيتها رحلة ابن بطوطة. والرحلتان مشوقتان، جديرتان بالمتابعة والتدوين، ومن فصولهما المثيرة أحكي ما يلي:
لكن قبل ذلك وجب الإشارة هنا إلى أن الرحلة الأولى استقيت فصولها مما كتبه عنه الباحث المؤرخ مصطفى بوشعراء 116 والرحلة الثانية استقيت أطوارها من الترجمة الفريدة التي خصه بها العالم المحقق محمد بن عبد الكبير الكتاني 117.
رحلته العلمية الأولى:
كان من نجباء الطلبة الذين ظهر نبوغهم مبكرا. فمن خلال الإنتهاء من تعليمه الأولي بمسقط رأسه، ثم بمدرسة المدينة، فقد تم ترشيحه للتعليم سنة 1291ه/1874م ضمن إحدى الوفود التي كان يبعثها السلطان المولى الحسن الأول إلى بعض الدول الأوروبية للدراسة كما كانت تفعل اليابان وقتها.
ومن أجل ذلك أرسل إلى طنجة لقضاء سنتين في تعلم اللغة الألمانية والمبادئ العلمية الأولى. وتهينته للتعامل لما هو قادم عليه.
وفي سنة 1293ه /1876م سافر إلى برلين ضمن وفد
صحبه فيه الميلودي الطالبي والحسين التمسماني.
ثلاثي
وبالمانيا تلقى عبد السلام العلوم العسكرية لمدة سبع سنوات.
فعاد إلى المغرب سنة 1300ه/1883م. لكن طموحه دفعه إلى أن يستأذن السلطان بواسطة سفير المانيا بطنجة تيودور فيبير (T.weber) ليتمِّم دراسته العليا بألمانيا. بعلم ينفع به وطنه. فأرسل السفير رسالة في الموضوع إلى ممثل السلطان في طنجة محمد بركاش يوم 15 مارس 1883.
ويأتي جواب السلطان الحسن الأول في شأن الطالب عبد السلام التسولي؛ الذي قال فيه إن نجابته قد ظهرت مبكرا في دراسة علوم الهندسة، واقترح العاهل المغربي على الطالب عبد السلام أن يتعلم “علم البحر” أو “علم المعادن” الذي هو أحب إليه.
وقصد تحقيق رغبة السلطان؛ التحق الطالب عبد السلام التسولي المجدولي بمدرسة (كلاوسطال- klausthal) للمعادن
ببرلين بألمانيا.
ولما مرت مدة الدراسة وهي خمس سنوات وردت التقارير على السلطان تقول: “إن الطالب التسولي قد تَمَهَّرَ فيما توجه لتعلمه وظهرت نجابته”. لقد أصبح مهندسا يحسب له حسابه (عند الكثير من الأطراف) عندها أمر السلطان نائبه بطنجة السيد الطريس بأن يعمل على إرجاعه من برلين وإحضاره
لديه.

فصيات لمغت عبر التاريخ
نماذج تراجر
عاد المهندس عبد السلام إلى المغرب اواخر سنة 1888م
(1306ه) وتم استقباله من طرف السلطان الحسن الأول الذي
تسلم منه تقريرا محررا بتاريخ 1 من بي العم
1306ه الموافق 25 من دجنبر 1888م. عن ما تعلمه في ألمانيا من علوم عامة؛ وهي حسب إفادته: علم الحساب والجبر والمقابلة وأصول الهندسة، مساحة المثلثات، جل الجبر ، علم الهندسة المساحية، علم الطبيعة، وأصل القوة الكهربائية (إلكتريك) ثم علم الكيمياء المعدنية، وهي مادة تخصصه.
والتي حدَّدها في العلوم السبعة وهي: الذهب، الفضة، النحاس، القزدير، والرصاص، الحديد، والكبريت. وأوضح أن اجتهاده انصب على دراسة معادن الأرض وما فيها من منافع.
وأضاف أنه في انتظار وصول بعض مواد البحث من عقاقير وحوامض من طنجة؛ ليقوم في حضرة السلطان بعملية بحث وتحليل لهذه المعادن.
وختم راجيا أن يكون عمله نافعا لوطنه، شاكرا عاهل البلاد على ما أنعم عليه ليتعلم ويصير مهندس الدولة، إطارا عاليا، معدنيا صناعيا منتجا
ودبلج ختام تقريره بكتابة اسمه كالأتي: “خديمكم: عبد السلام بن عبد الرحمن التسولي. لطف اللّٰه به”.
لكن الرياح أحيانا تجري بما لا تشتهيه السفن. يلاحظ الباحث مصطفى بوشعرة في نوعية تخصص التسولي، ويتساءل: “أين يا ترى سيوظفه المخزن؟. ويقول: لم أقف على ما يفيد هذا التوظيف المحتمل. حتى إذا كان؛ فليس للمخزن معامل أو مناجم يستغلها بنفسه ليستخدمه فيها. ويضيف
“ومهما يكن فقد انصرف على الوقت ثلاث سنوات ولم
‏نسمع له حس في المصادر . ‏حتى إذا كانت سنة 1891 م وجدنا أن التسولي قد قد ألقى عملا خارج المغرب، ليس داخلا نطاق تخصصه، فقد أصبح مدرسا للعربية بمعهد اللغات الشرقية ببرلين المستحدث سنة 1887م. لتعليم الألمانيين اللهجة الدارجة المغربية لفائدة الذين كانوا يتشوفون إلى غزو المغرب اقتصاديا وتجاريا ببضائعهم ومدافع (كروب) وبعثاتهم الاستكشافية لتجوس خلال الديار وتتعرف على ما يزخر به المغرب من إمكانيات. وسيمكث عبد السلام الذي كان أول من عُيِّن مدرسا للغة العربية بالمعهد الألماني إلى سنة 1896م.
(حيث تعاقب عليها مغاربة آخرون).
وتتقاذفه الرياح، ولم يعد في مطلع القرن العشرين سوى ترجمانا لأحد المراكب بالرباط، لاسبيل إلى (خدمة لمنفعة وطنية) كما تقدم وانقطع خبره في المصادر المكتوبة”.
هنا انتهت رحلته العلمية بخيبة الأمل في تقدمه وتقدم بلده ووطنه، إذ كان المغرب تتقاذفه أطماع أوربية استعمارية متعددة تعمل في العلن والخفاء.وخاصة الصراع المحتدم على جميع الجبهات بين فرنسا وألمانيا. عبد السلام التسولي ذهب ضحية تلك الأطماع وهذا الصراع الشيء الذي جعله يُعزل عن مساره. ويعتكف في بيته ومسقط رأسه ببادية التسول بتازة لبعض الوقت. يفكر في أمره ويقيِّم ما حصل. ويراجع توجهاته وطموحاته.
رحلته العلمية الثانية:
في هذا الإطار وخلال مجالسته لدوي الرأي والعلم من رجال قبيلته التَّسُولية. هناك من اقترح عليه القيام برحلة علمية جديدة تكون على شاكلة الرحلة المغربية التقليدية التي أنتجت علماء. (في جميع الأحوال) استفادوا، وأفادوا وطنهم بشكل أو من أجل هذه الغاية. استعد عبد السلام من جديد لرحلة بآخر.
ثانية. وفي ذلك يخبرنا العلامة محمد بن عبد الكبير الكتاني في كتابه “زهرة الآس في بيوتات أهل فاس” ضمن تراجم “بيت التسولي بفاس” :بالرحلة التي قام بها عبد السلام التسولي المجدولي ووصفها ب “العجيبة ” (ولم يشر ضمنها إلى الرحلة العلمية السابقة له). (ربما لعدم اخباره بها).
وهذه الثانية تعد رحلة فريدة في تاريخ الرحلات المغربية.
وقد بدأها علمية وأنهاها سياحية.
وقد استقى الشيخ الكتاني فصول هذه الرحلة من كناشة مذكرات عبد السلام بعد أن زاره بمنزله بفاس كآخر محطة في رحلته التي زار فيها الكثير من مدن العالم بقاراتها ولم يستثن منها إلا أستراليا.
أقدم هنا قراءة لترجمة التسولي، وضمنها رحلته كما كتبها العلامة الكتاني والتي بدأها بأوصاف ومهام علمية لم تكن عند التسولي. فهو هنا: “الفقيه الأديب المنجم الفلكي”. وأورد اسمه الكامل كلاتي: “السيد الحاج عبد السلام بن عمر بن عبد اللّٰه التسولي المجدولي البوحفصي البنطيطي”. ويلاحظ هنا أن اسم والده هو (عمر) عوض عبد الرحمن.
ويفيد أنه في (سنة إحدى عشر وثلاث عشر مائة هجرية)
خرج من قبيلته وقصد ناحية سوس، وأخد عن الشيخ الكامل العالم المربي الواصل، سيدي أحمد ما العينين، فتتلمذ له ولازمه مدة من نحو العامين، حتى ظفر منه بالمقصود. يظهر أن هذا التاريخ الذي خرج فيه من قبيلته إن كان صحيحا يوافق في الميلادي عام 1894م وهي السنة التي كان لا يزال فيها مدرسا لمادة اللغة العربية بمعهد اللغات الشرقية ببرلين كما جاء في الرحلة الأولى.
ومن ناحية سوس توجه عبد السلام إلى تونس، ودرس بجامع الزيتونة علم الفلك. وظفر منه بالحظ الوافر. ثم توجه إلى مصر، ومكث فيها نحو خمسة عشر سنة، حتى تمكن من جل علومها الرياضية والفلسفية ومعرفة الجغرافية. وتوجه للهند، لبلد “بانباي” ومدينة “كلكتا” وظفر بهما بما فيه المقنع عن الشيخ سراج الدين الهندي.

ثم توجه الى الصين، إلى مدينة كاكين، وأخد عن الشيخ جمال الدين الأفغاني. وتوجه لأسيا الصغرى، وهي جزيرة العرب؛ اليمن والعراق والحجاز. وتوجه لحج بيت اللّٰه الحرام، وزيارة قبره(صلهم)، وأخد في المدينة المنورة عن الشيخ أبي الهدى قاضي إسطنبول. وتوجه منه إلى الأستانة، مدينة إستنبول، وبقيّ بها نحو أربعة أشهر.
ومنها توجه إلى أوربا، وجال في أقطار ها. فرنسا وأنكلترا واسويسرا وإيطاليا والنمسا وألمانيا. وفي ألمانيا التقى بعالم النهضة اللبناني جرجي زيدان وصحبه مدة ثلاثة أشهر.
وتوجه إلى أميركا الشمالية؛ كندا. وزار نيويورك ثم المكسيك. وجال في الولايات المتحدة الأميركية. والتقى بأفراد من علمائها منهم هندبرّوج، وأبُّوش.
• وتوجه لثغر طنجة. ومنها توجه للإسكندرية.ومنها الى السودان؛ فزار بها مدن الخرطوم ومدرومة والفشل وأضر غان وغيرها. والتقى مع عالمها الشيخ الشريف المهدي سنة 1329ه/1911م. ومنها توجه راجعا عبر بادية الصحراء الكبرى إلى بلاد الجريد حيث تونس. ومنها إلى مصر ليعود إلى طنجة، ويحط الرحال في مدينة فاس، ويستقر بها مدة ونه تزوج فيها وأنجب إناثا فقط.
وهو بفاس يزوره الباحث المؤرخ العالم الشيخ محمد بن عبد الكبير الكتاني ويجلس إليه ويحادثه ويسأله عن اسمه ونسبه وما حصل عليه من علوم. فيطلع حصريا على بعض كتبه وفصول من مذكراته وعلى رحلته المنظومة في قصيدة.
من خلال ذلك يخبرنا الشيخ الكتاني أن الشيخ عبد السلام التسولي المجدولي له معرفة بعلم الأسماء والوفاق والزناتي وعلم الكف، والتنجيم والهيئة والرياضة والفلسفة والجغرافية والجرائد والتاريخ. وله رحلة سماها “رحلة التسالي في سياحة الشيخ التسولي” ويقول الكتاني: “من كناشته لخصت جولانه”.

ويضيف : واما منظومة رحلته العجيبة فما تسمح بتمكين النظر فيها لأحد”.
وبعد مدة، يقوم الكتاني بتفقد التسولي مرة ثالثة بمقر سكناة بتخر بيشت بفاس فلم يعثر عليه، فسال عنه، فوجده قد سافر 118، ومن ذلك الوقت لم يقف له على خبر. والظاهر من إفادة الكتاني أنه تأسف على فقدانه، وقد علق على ذلك بكلمة: “غاب عنا”. ويضيف أنه قد اجتمع به مرة أولى وقال لعلها (عام الأربعين الفارط) وهي بالضبط سنة 1340ه (1922م).
هذه السنة التي كان فيها عبد السلام التسولي على قيد الحياة تذكرنا بسنة 1920التي بدأ الإشتغال فيها على تأسيس “المكتب الشريف للفوسفاط” على يد إدارة الحماية الفرنسية الإستعمارية لخدمة أهدافها الصناعية.فهل وظف الفرنسيون المهندس عبد السلام التسولي واستفادوا من خبرته كأول مغربي متخصص في الكيمياء الصناعية؟. أم أن تكوينه المعدني في المدارس الألمانية حال دون ذلك، وكان هو سبب تعاسته؟. لأن الفرنسيين كانوا ينافسون الألمان بشراسة ويناصبونهم العداء.
على كل حال ما يهمنا هنا هو العثور على آثاره وتآليفه العلمية ومنها مذكراته لنتمكن من استكمال جوانب شخصيته الفذة. التي فتحت الباب في عصرنا الراهن لمن سياتي بعده
ترجمت وك ال التراي و لاة الفو الشراقية
هؤلاء المغاربة عرفوا بقيمة الفوسفاط المغربي؛ الذي للفوسفاط.
يُستخلص منه عنصر اليورانيوم المستعمل في إنتاج الطاقة
الذرية.
في هذا المجال أقترح على إدارة ” المجمع الشريف للفوسفاط ” الإعتناء بهؤلاه العلماء الأقطاب الثلاث:
– عبد السلام المجدولي التسولي.
– رشيد الإدريسي الوطاطي.
– مصطفى التراب.
وجعل صورهم واثارهم ومؤلفاتهم وخاصة بحوثهم العلمية التي أنجزوها، وهي في أرشيفات المدارس التي درسوا بها في كل من المانيا وفرنسا وغير هما. هم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى