العالم، مستنبط الشقة الساعية بتازة القريبة من خط كرينويتش البريطاني
(دعما لاختيار وفوز المغرب لوضع أكبر تلسكوب في العالم)
نص محاضرة: الفلكيون والفلك بتازة: سيدي أحمد
الطواش التازي نموذجا”
للباحث في الحضارة المغربية: مَحمد العلوي الباهي ملقاة كأرضية للدورة الأولى من: “مسابقات الفطناء لأخبار من اشتهر بتازة من العلماء”.
تنظيم المجلس العلمي المحلي بتازة.
لفائدة مؤسسات التعليم الثانوي والجامعي بالمدينة.
يوم السبت 23 ربيع الأول 1430ه /21 مارس 2009م.
أولا: تمهيد حول موضوع المحاضرة:
” الفلكيون والفلك بتازة- سيدي أحمد الطواش التازي
نموذجا”.هذه – أيها السادة الكرام- محاضرتي اليوم في رحاب أنشطة المجلس العلمي المحلي “وجمعية تازة للتنمي والتضامن”. وأبدوها بتساوَلين: أولهما: لماذا موضوع الفلك؟ وآخر هما: لماذا سيدي أحمد الطواش؟.
– أما علم الفلك: فيرجع إلى إرادة مسايرة تقدم العصر وأنشطته الدولية التي ينخرط فيها المغرب.
فبالمكتبة الوطنية للمملكة المغربية بالرباط وفي إطار نظمة اليونسكو والاتحاد العالمي لعلم الفلك تم في رابع عشر فبراير الماضي افتتاح فعاليات السنة الدولية لهذا العلم، مشاركة باحثين فلكيين مغاربة من جامعات الفاضى عياضر بمراكش والحسن الثاني بالدار البيضاء، ومحمد الخامر بالعاصمة. وفي هذا اليوم قدم مشروع ما تنوي المفوضية الأوروبية بناءه في المغرب (بجبال الأطلس) أو إسبانيا أو الشيلي أو الأرجنتين من أكبر مرصد فلكي في العالم.
وإنما رشح المغرب لهذا المشروع لمؤهلاته الجغرافية
الهائلة وكفاءاته العلمية المتخصصة الهامة.
وهذه المحاضرة – بما يصاحبها من تنشيط هادف – مساهمة في إظهار ما للمغرب في الحاضر من المؤهلات والكفاءات السالفة الذكر وما له في الماضي من تراكمات هامة في الموضوع. وهي دعم للجهود المبذولة لتعزيز ملف بلدنا حتى يفوز باختياره لاحتضان بناء المرصد الفلكي المنتظر .
– وأما سيدي أحمد الطواش:
فلأنه عالم فلكي، علاوة على ما له من مواهب أخرى، في الفقه والشعر، والتصوف،
والتربية وغير ذلك. وللتعريف
به أقول:
هو سليل الدوحة النبوية وأحد
أعلام المغرب وأحد رجالات تازة الأجلاء في مطلع القرن الثاني عشر الهجري (الثامن عشر الميلادي)، مشهود له بالولاية والصلاح، صوفي دارك جده محمد الهادي الحسني نزح من العراق إلى المعرب في النصف الأوان من القرن الثامن الهجري على عهد السلطان أبي سعيد عثمان سادس ملوك بني مرين، الذي استقبله بكل حفاوة واكبار وأكرمه وأجزل صلته.
ولد سيدي أحمد الطواش عام 1119ه (1708م) في تازة، وتلقى تعليمه الأولى بها، ثم التحق بالقروبين، وأصبح من كبار
توجه إلى المشرق قصد الحج والدراسة، ولما عاد إلى نازة زاره كثير من علماء المغرب للتهنئة، وأنشدوا في ذلك قصائد رائعة، أقرأ لكم مطلع واحدة منها. وهي للعلامة الشيخ أبي القاسم معنين والذي جاءه من سلا فقال:
الآن تازة برق نورها سطعا
وطالع السعد في أرجائها طنعا
ولازم الأنس أهلها بمقدم من
كل العلوم إليها حكمها رجعا
الماجد الشيخ أحمد الطواش
بحر العلوم لنا من صدره نبع هيهات أن يدرك الرجال رتبته
في الرأي والعلم والحق الذي تبعا
توفي عالمنا بتازة – مسقط رأسه – عام 1204 ه (1790م). وبجانب ضريحه “بالشقة” ستشيد قريبا “المؤسسة
الخيرية سيدي أحمد الطواش التازي” مشروع حضاري ومركب ديني وثقافي واجتماعي للساهمة في تنمية المنطقة، وذلك بمساهمة مشكورة من أحد حفدته السيد عبد اللّٰه عبد القادر التازي الطواش المقيم بالمملكة العربية السعودية.
ولا يفوتني في هذه المناسبة أن أشير إلى ان سيدي أحمد الطواش هذا كان من بين الأعلام التازية المغمورة. وبعد بدء حفيده السيد عبد اللّه عبد القادر في البحث عن ترائه، ومخلفته العلمية المخطوطة، ظهر فجأة بالرباط في طبعة فاخرة التليف الأول في ذلك. وبحول اللّٰه وقوته سيظهر الكتاب الثاني من تازة وسأتشرف بتأليفه تحت عنوان: “تازة ونوستالجيا سيدي أحمد الطواش”. وما نحن بصدده في موضوع علم الفلك نيس إلا من فصول هذا الكتاب.
ثانيا: محاور المحاضرة:
محاور المحاضرة خمسة كالأتي:
المحور الأول: سيدي احمد الطواش التازي كعالم فلكي.
المحور الثاني: الشقة الساعية كما حددها هذا العالم.
المحور الثالث: سمت القبلة بتازة.
المحور الرابع: العالم الفلكي جابر الغياثي التازي.
المحور الخامس: الفلكيون والفلك بتازة.
المحور الأول: سيدي أحمد الطواش التازي كعالم فلكي:
أصبح من المؤكد أن الفقيه سيدي أحمد الطواش التازي كان كذلك “عالما من علماء الفلك”. وعلم الفلك هذا يشتمل على فروع متعددة تساعد الفقهاء على ضبط الأحكام والقيام بالواجبات الدينية والدنيوية.
وتشمَل هذه الفروع: التوقيت، سمت القبلة، الأنواء 98، الأزياج، الهيئة، وضع آلات الرصد والتقويم والعمل بها، ورؤية الهلال.
واستنادا إلى نص صريح بين أيدينا، فقد تضلع سيدي أحمد الطواش التازي في علم المواقيت، الوثيق الصلة بالفق الإسلامي، والذي يُعمل في أساسه على الرياضيات والفلك والجغرافية الرياضية، وبهذا العلم تضبط أوقات الصلوات والصيام ومعرفة القبلة وأزمنة الايام نهاراتها ولياليها والطوالع وبروج الكواكب ومقادير الظلال والارتفاعات والأنحرافات ووقفي تقييد العلامة القاضي سيدي أحمد سكيرج لبعض [وجدت بخط العارف باللّه سيدي احمد الطواش، مسألة المسائل، ما نصه:
لمعرفة كم من ساعة يغيب القمر من الليل في النصف الاول من الشهر ؟ وعلى كم من ساعة يطلع في النصف الثاني من الشهر، وقد شرح المسألة وكيفية إتمام العملية بحسابات رياضية دقيقة. وأتبعها بمسألة أخرى في معرفة: “في أي منزلة هي الشمس؟”.
وقد كان حافظا لأراجيز شعرية يتخذها كقواعد علمية لحز كل مسألة أراد الاشتغال عليها.
فمن مسألة هذه الوثيقة نعلم علم اليقين أن سيدي أحمد الطواش التازي كان عالما من علماء الفلك عارفا بمواقع النجوم ودائرة الأفلاك، ملما بالآلات الفلكية كالأسطر لابات والمزاول والأرباع (المجيبة والمقنطرة). وعلى دراية بالمادة الفلكية والوسائل الرياضية لاستعمالها.
وله في هذا وفي فنون أخرى تأليف مخطوطة. نحن حريصون على اكتشافها وما بين أيدينا ليس إلا جزء من كل ولعل من تأليفه بعض ما تكتنزه المكتبات داخل المغرب وخارجه من كتب ومصنفات مبتورة الأول أو الأخر، أو مجهولة المؤلف.
المحور الثاني: “الشقة الساعية” في علم الفلك كما حددها
سيدي احمد الطواش حمد الطواش التازي بعلم الفلك جعلني
أتعمق في هذه المسألة وأبحث في جوانبها. وقد وجدت شيئا مذهلا وهاما يعد اكتشافا غير مسبوق في الحياة العلمية لهذا الرجل وفي تاريخ علم الفلك بتازة.
وهذا الاكتشاف يفرض نفسه بحججه الدامغة وقوة الواقع
الجغرافي للمنطقة والمدلول التاريخي للوثيقة.
لقد تأملنا المسألتين الفلكيتين اللتين اشتغل عليهما الفقيه الفلكي سيدي أحمد الطواش التازي الشقاوي، نسبة إلى “الشقة”.
و “الشقة” هذه موقع بالضاحية على أمتار جنوب أسوار مدينة تازة كان يقيم فيه سيدي أحمد الطواش وبه ولد ونشأ وتعلم وفيه توفي ودفن.
جاء في معلمة المدن والقبائل: “الشقة خندق بين جبلين فيه وعلى حافتيه بناءات ودور كانت قبيلة غيائة تتحصر
فالشقة بجانب الخندق حصن لمراقبة أي هجوم زمن الحروب. ومراقبة النجوم في غير ذلك. وكانت قصبة مسورة وكان الفلكي الطواش يستعمل سطح داره بهذا الموضع ولها بابان.
كمرصد للنجوم، فيضع الأزياج – وهي جداول فلكية تحسب حركات الأجرام السماوية ومواقعها -، ويرصد الكواكب الثابتة والمتحركة ويضبطها بطرق هندسية مستَعينا بما يتوفر عليه
من آلات الرصد والتقويم.
فمن هنا يمكننا بجلاء القول بأن الفلكي سيدي أحمد قد استخدم في استنتاجاته الفلكية اسم “الشق” المصطلح جغرافى للاستدلال بما هو ثابت على الأرض من شق بين جبلين. ووجد أن هذا الشق يوافق: ساعة الصفر في منتصف الليل وهو يتوسط ساعات اليوم ويمثل خط الطول.
وعلى يمينه اثنا عشرة ساعة شرقًا وعلى يساره مثلها غربا.
وخط الشقة هذا يوافق بالتقريب خط غرينيتش العالمي.
فغرينيتش في لندن بانجلترا توافق الشقة في تازة بالمغرب:
وهما على خط طول واحد منحدر من شمال إلى جنوب الكرة الأرْضية.
وغرينيتش (Greenwich) مدينة في إنجلترا جنوب غرب لندن وفيها مرصد فلكي شهير.
وبالنسبة له حدَّد خط الطول: صفر. في سنة 1087ه/1676م.
فهل يكون الفلكي سيدي أحمد الطواش بعد مرصد غرينيتش بقرن من الزمن تقريبا قد حدد فعلا خط الطول بمرصده بدوار الشقة بتازة حيث إقامته الصيفية؟ هذا ممكن ما دمنا نعلم الآن أن توقيتنا هو توقيت غرينيتش.
ويمكن أن يكون قد سمى هذا الدوار بالشقة كاصطلاح فلكي مستمد من الجغرافي (الخندق) لموافقته لخط الطول “صفر”.
فقد يكون الناس قد نسوا حقيقة اصطلاح “الشقة” لضياع نصوصه… فالخندق الذي نحن بصدد الكلام عنه بين جبلين يجري بالماء ويسمى ب”واد الهدار” لهدير مائه. والموقع السكني يسمى أصلا ب “بني وجان”:
ولعلنا نكتشف مستقبلا نصا آخر لسيدي أحمد الطواش يثبت فرضيتنا. وحتى ذلك الحين يبقى التعريف بالشقة عند الفلكيين كالآتي: (حسب “منجد اللغة والأعلام”):
وجاء في منجد اللغة والأعلام كذلك:
“الشُقة الساعيَّة في علم الفلك منطقة يحدُّها خطا طول بينهما خمس عشرة درجة وهي الساعة الواحدة “102.
“الشُقة صفر يتوسطها خط غرينيتش الذي يعين
الساعة بالنسبة إليه اصطلاحا” 103.
وخلاصة القول لقد اجتمعت هذه “الشقة” مع غرينيتش على خط الطول: صفر. والعالم الفلكي سيدي أحمد الطواش اكتشفها – بفارق بسيط – قبل زمننا هذا ب: 250 سنة.
وقد ضبطت حاضرا – بالتدقيق مع التقدم العلمي الهائل-مع ميل بسيط شرق تازة.
ومرة أخرى فإن وثائق العالم الفلكي سيدي أحمد الطواش
التازي تتضمن نصوصا، صريحة في الموضوع.
المحور الثالث: سمت القبلة بتازة
عند بداية تشييد أي مسجد، لابد من إحضار الفقهاء وعلماء الفلك، قصد تحديد سمت القبلة من خلال النجوم الثابتة، ومطالع الشمس ومغاربها، ومطالع القمر. ومعرفتهم الدقيقة بحساب الجغرافية)م٥، وعرضه (أي ما نسميه اليوم بالإحدائيات
وبما أن صحة الصلاة تتم في شرطها الثالث بالاستقبال الصحيح للقبلة. فقد اتفق فقهاء تازة وفلكيوها بمساعدة آخرين من خارجها (في زمن لم نحدده بعد): على بناء محراب – عبارة عن قوس مفتوح في الاتجاه الصحيح للقبلة متجها إلى الشرق حيث مطالع الشمس .- هو بالنسبة لهذه المدينة سمت قبلتها المهتدى به لأداء الصلوات في المساجد والبيوت وغير ذلك.. وهو الشاهد الذي تنصب محارب المساجد في نفس اتجاهه. والبوصلة التي يهتدى بها لمعرفة الاتجاهات الأربعة:
فأمامه الشرق وخلفه الغرب وعن يمينه الجنوب وعن يساره الشمال: وقد كتب عل جبهته فوق قوسه الآية الكريمة:
قوس محراب مفتوح على القبلة كسمت لها بتازة. كان قائما إلى حدود شهر أكتوبر 2005 بجانب ربوة ضريح العلامة سيدي علي بن بري.
وقد شيد هذا البناء كصرح معماري حضاري وأثر ديني تراثي في طرف المدينة وفي منتهاها الحضري خارج أسوارها على مرتفع يطل على القادم من الشرق. وقديما كان يوجد مثله في الكثير من المدن الإسلامية الكبيرة.
زرته أكثر من مرة وعاينت أبعاده في رسم مخطوط، وأخذت له صورا معبرة بقيت كشاهد وحجة للتاريخ. وقد تعرضت هذه البناية للهدم يوم الثلاثاء 7 رمضان 11) 1426 أكتوبر 2005م) ولم تعد موجودة مثل ما يقع للكثير من الاثار.
وبفهرس مخطوطات الخزانة العلمية بالمسجد الأعظم
بتازة وجدت صورة منسوخة لرسم بياني من مخطوط يحدد سمت القبلة بحسب الأقاليم.
وحسب بطاقته التقنية بالفهرس صفحة: 238 فالمخطوط يحمل رقم: 317 ورقمه التسلسلي: 224 وهو في الفقه مبتور الأول يضم 131 ورقة. بخط مغربي. .
نسخه: محمد الجزنائي العرقوبي في آخر شوال 1099 ه
(27 غشت 1688م) ولم يتيسر لي الإطلاع عليه بعد).
والطريف في هذه الوثيقة (التي تعود إلى أكثر من ثلاثة قرون) هو الرسم البياني الذي لاشك أنه لفقيه مهندس، وما أحوجنا إلى مثل هذه الرسوم الهندسية في تراثنا المعماري الأصيل.
المحور الرابع: العالم الفلكي التازي جابر الغيائي أولا: كتابه في علم الفلك:
بالمكتبة الوطنية بالرباط مخطوط في علم الفلك تحت عدد
2187.د يحمل عنوان: “الغيائي” وهو كنية لمؤلفه. يوجد في ثلاثة نسخ يحمل كل واحد منها عنوانا فرعيا على الشكل التالي: 1 – نظم مقرّب المطالب
2 – رسالة في الربع المجيب
3 – العمل بالربع المجيب
لقد أثار انتباهي – أنا الشغوف بتراجم الأعلام – اسم
“الغيائي”. فوقفت عليه لأتصفحه علني أكتشف من هو هذا الغياثي؟ من هو هذا الفقيه المتضلع في علم الفلك؟
في بداية المخطوط وجدت اسمه هكذا: قال الفقيه الأجل العالم الأفضل بن عبد اللّٰه الغياثي رحمه اللّٰه تعالى ورضي عنه”. واستهله بقصيدة “من واحد وستين بيتا نظمها في علوم الفلك، وهذا مطلعها المنسوخ:
وبالهامش كتابة ربما حاولت التعريف بصاحب الكتاب أو بمالكه. لكن عتم عليها بطلاء مداد، وقد استنتجت من قراءتها الأولية ما نصه: “… عبد اللّٰه فارس محمد بن عبد الجبار بن علي بن أحمد لطف اللّه به”. “رحمه الله”. (وعبارة رحمه اللّٰه أضيفت بعد وفاته.) وبالهامش كذلك: “هذا المجموع رجع ملكا للطاهر بن محمد الوزان يملكه بالشراء الصحيح”.
وبالصفحة الأولى طابع عليه كتابة: “تحبيس المخطوط على كل مسلم يحيي اللغة العربية”.
المخطوط في علم الفلك، في معرفة المطالع الفلكية والعمل بالكواكب، ومعرفة الأوقات. من موضوعاته: بهجة الطلاب في العمل بالأسطر لاب.. زمانية الأدراج.. عرض البلد..
مكتوب بعناوين ملونة وبخط جميل جدا. به جداول تامة بتحديد العرض والطول في كل من إفريقيا وآسيا وأروبا مثل الدكتور عبد الهادي التازي في تاريخ تازة
وفي الصفحة 106 نجد رسالة لطيفة في العمل بالكرة تشتمل على ثلاثة عشر بابا منها: ربع المقنطرات وسمت القبلة .. إلخ. وأضاف جامع هذا المخطوط نصوصا أخرى إليه، منها: رسائل لابن البناء، والماردني، والوركاني. وبمكتبة النجف بالعراق مخطوط يحمل رقم 1738 وآخر بجامعة بغداد تحت عدد: 61 حول تاريخ العراق (في فترة مفقودة من تاريخه). هذا الكتاب تحت عنوان “التاريخ الغيائي” (الفصل الخامس) من سنة 891-656ه/1486-1258م106 قام
دراسته وتحقيقه الدكتور طارق نافع الحمداني .
وقد كتب في مقدمته: “يعد ذا قيمة تاريخية كبيرة، حفظ لنا معلومات مهمة عن العصور التي أعقبت سقوط بغداد بيد هو لاكو إلى سنة 891ه/1486م.
وهي المعلومات التي بقيت غامضة حتى الوقت الحاضر، كذلك كان هذا الكتاب وما يزال أهم مصدر عنها بالعربية.
وليس هناك مصدر آخر يضاهيه في معلوماته عن العراق.
وكذلك فقد اعتمده كثير من المؤرخين وعدوه من مؤلفات عراق العرب ونقلوا عنه.
عبد اللّٰه الغياثي صاحب هذا التأليف، له إحاطة باللغة التركية وإجادة جعلته يترجم منها إلى العربية كتابا في علم الفلك هو: “تاج المداخل في علم النجوم”
تساءل الدكتور طارق نافع الحمداني محقق: التاريخ الغياثي عند كلامه عن إجادة “الغيائي” لعدة لغات إجادة تامة
قائلا : “لا نستطيع أن نجزم بأنه انحدر من أصل مشارقي؟”
وأضاف متسائلا مرة أخرى: “ربما يكون عراقيا اندمج في بيئة أعجمية خلال المائة التاسعة؟1081.
ويستبعد الحمداني في دراسته أن يكون هذا الغيائي
“عراقيا”. فمن يكون إذن؟ عنه يضيف الحمداني قائلا:
“ويكتنف الغموض حياة هذا المؤلف. إذ ليست لدينا أية معلومات عن أصله ومولده وأسرته ونشأته الأولى وثقافته”.
بهذا يكون الدكتور الحمداني قد أثبت بما فيه الكفاية أن الغياثي هذا ليس من العراق ولا من أي بلد في المشرق. فيبقى لنا التأكد من مغربيته وانتمائه إلى غياثة مدينة تازة (318 كلم، شرق الرباط العاصمة).
وكلمة غياثة مشتقة من: (الإغاثة أي الإنقاذ) ومفردها:
“الغوث” أو “الغياثي”.
فمن هو هذا الغياثي مرة أخرى؟!
لقد ورد اسمه في كتابه: “التاريخ الغيائي” في موضعين
متخفيا وسط الألقاب:.
– الأول: “عبد اللّٰه فتح اللّٰه البغدادي الملقب بالغيات”.
– الثاني: “غياث الدين فتح اللّٰه الكاتب البغدادي”.
ورغم قلة المعلومات بل ندرتها عن العصر الذي عاشه بسبب الفتن وتواتر المحن التي كانت على أيامه، فإننا نعلم من تاريخه هذا، أنه كان جوالا وصاحب رحلة. فقد أقام في حلب بسوريا حوالي سنة 872ه (1468 م) وجال ببلاد الشرق ومنها العراق وعاش أيام سقوط الخلافة العباسية في مصر على يد السلطان سليم الأول سنة: 923ه/1517م.
ولما أقام في بغداد سموه بالبغدادي، ولما عين كاتبا لديوان الإنشاء ببغداد نعتوه “بالكاتب البغدادي “واشتهر حتى عرف “بالبغدادي”. وكثيرهم كان لا يعرف حقيقة اسمه الذي اختفى سم للص لمعب عبر التاريخ تحت شهرته ككاتب ومترجم ومؤرخ وعالم فلكي وإطار مهاجر يتوفر على حنكة ومعرفة وكفاءة رشحته ليتبوا منصب الكاتب الأول في بغداد عاصمة الدنيا. وهو ما يعرف على عهدنا الآن في الدول المتقدمة ب: “هجرة الأدمغة “.
وهكذا اشتهرت أعماله به واشتهر بأعماله فكان تاريخه في بغداد يحمل كنيته “الغيائي”. وكان تأليفه في الفلك بالمغرب يحمل كنيته “الغيائي” وذلك على شاكلة ما وقع لابن خلدون وابن بطوطة في تأليفيهما “تاريخ ابن خلدون” و”رحلة ابن بطوطة”. بقي لنا أن نربط ما بين ماله من أثر في المشرق وما له في المغرب في أهم محطاته. لنخلص إليه كشخص مغربي واحد ينتمي إلى ” تازة”.
لم يعد يخامرني شك. وأصبحت جازما قطعا أنه مغربي. ومما يزيد في تأكيد ذلك ما في تأليفه “التاريخ الغيائي” عن العراق. من العربية الممزوجة بالألفاظ الأعجمية وبعض المفردات العامية المعروفة في الدارجة المغربية (وهي الفاظ غريبة عن العراقيين ولا ياتي بها إلا غريب عنهم) 109 ذكر “عبد اللّٰه الغياشي” فى مؤلفه عن العراق الذي سماه بنفسه كتاب “التاريخ الغياثي”: أن من كتبه في علم الفلك كتاب تحت عنوان: “رسالة للعمل بالربع المجيب” والذي يحمل في نسخته الأولى اسم: “نظم مقرب المطالب” وهذا المؤلف هو عينه مخطوط المكتبة الوطنية بالرباط المتقدم الذكر.
وعليه يكون هذا الفلكي الكاتب المؤرخ هو نفسه من اشار إليه الدكتور محمد الراضي كنون. في كتابه: “العلامة الشريف سيدي أحمد الطواش التازي” الصادر حديثا)11 عند ذكره لبعض الأعلام الذين أنجبتهم مدينة تازة. وأثبت “تازيته” وهو ما ذهب إليه حدسنا المعرفي…
فقد ذكر أن له نفس المؤلف في: “علم الفلك” مع إضافة اسم “جابر” إلى اسمه حيث قال: “ومنهم العلامة جابر بن عبد اللّٰه بن جابر الغياثي التازي، صاحب كتاب: “مقرب المطالب في علم التقويم والتنجيم والكواكب”.
وفي المجلد الثالث. الجزء الخاص بعلم الفلك من فهارس الخزانة الحسنية بالرباط، تصنيف للدكتور محمد العربي الخطابي!11 (وقد أهدتني الخزانة الحسنية نسخة منه) جاء في الصفحة 371 منه ذكر مخطوطة تحت عدد: 224، عنوانها: “مقرب المطالب في تعديل الكواكب” وهو رجز من نظم جابر بن عبد اللّٰه الغياثي السالف الذكر.
المحور الخامس: الفلكيون والفلك بتازة
عرفت تازة عصورا من الازدهار الحضاري طيلة قرون مضت. عندما كانت القوافل الشرقية والأندلسية تمر عبر مضيقها بحمولتها الفكرية والثقافية والتجارية والاقتصادية.
لنرصد نحن بدورنا ما تبقى بتازة بلاد “سيدي أحمد الطواش التازي” من تلك الحضارة، ونلخصها في ثلاث أشياء:
وهي: المنشآت والأدوات. والكتب المخطوطة، وتاريخ العلماء الفلكيين :
أولا: المنشآت والأدوات:
ومنها:
1 – البرج الأسطواني المسمى “بسرازين” وتعني
“الشرقيين” الموجود إلى الآن على أسوار مدينة تازة من الجهة الجنوبية، وبطل على وادي الهدار ويعد اقدم صرح فلكر في المغرب إذ كان يستخدم في أيام السلم كمرصد لمراقبة النجوم…… يتبع