الاقتصادية والقانونية
تازة .أمسية قانونية “قراءة في مشروع قانون المحاماة رقم 23-66” بتازة تفتح نقاشاً قانونياً حول حصانة واستقلالية مهنة المحاماة.

أبو نزار
احتضن مقر هيئة المحامين بتازة، بعد صلاة التراويح من مساء الجمعة 16 رمضان 1447 هـ الموافق لـ6 مارس 2026، فعاليات الأمسية القانونية الثانية التي نظمتها جمعية المحامين الشباب بتازة ضمن برنامجها العلمي لشهر رمضان، تحت عنوان “قراءة في مشروع قانون المحاماة رقم 23-66”، في لقاء مهني وفكري استحضر رهانات إصلاح مهنة المحاماة وسياق الجدل الذي رافق مشروع القانون الجديد.
وتندرج هذه الأمسية ضمن تقليد علمي دأبت عليه جمعية المحامين الشباب بتازة خلال شهر رمضان من كل سنة، حيث تشكل هذه اللقاءات فضاءً للنقاش الأكاديمي والتداول المهني حول مستجدات المنظومة القانونية وقضايا العدالة.
في كلمته الافتتاحية، رحب الأستاذ عمر موسوي، رئيس جمعية المحامين الشباب بتازة، بالحضور الذي ضم نقباء وأعضاء مجلس الهيئة ومحامين من هيئتي تازة وفاس، إلى جانب طلبة سلك الماستر والمهتمين بالشأن القانوني. وأكد أن اختيار موضوع الأمسية لم يكن اعتباطياً، بل جاء في سياق النقاش الواسع الذي أثاره مشروع قانون المحاماة رقم 23-66، وما خلفه من ردود فعل وانتقادات داخل الأوساط المهنية والحقوقية.
وأوضح موسوي أن عدداً من الملاحظات أثيرت بشأن المشروع، خاصة ما يتعلق بما اعتبره بعض المهنيين مساساً بمبدأي الحصانة والاستقلالية اللذين يشكلان أحد أعمدة ممارسة مهنة المحاماة، فضلاً عن التخوف من التراجع عن بعض المكتسبات التي كان يتمتع بها الدفاع. كما أشار إلى النقاش الدائر حول إمكانية فتح المجال أمام المحامين الأجانب لمزاولة المهنة بالمغرب دون شروط تحقق مبدأ تكافؤ الفرص، إضافة إلى الجدل المرتبط بشروط الولوج إلى المهنة وبعض المقتضيات التي فُهم منها تقييد أشكال الاحتجاج المهني.
من جانبه، قدم الأستاذ بلقاسم أهادي، عضو هيئة المحامين بتازة ورئيس الفرع المحلي لنقابة المحامين بالمغرب، قراءة في السياق التشريعي الذي أحاط بالمشروع، مبرزاً أن هذا النص القانوني عرف تجاذبات ملحوظة منذ إحالته من طرف الأمانة العامة للحكومة على المجلس الحكومي بتاريخ 15 دجنبر 2025، قبل أن تتم المصادقة عليه في 8 يناير 2026.
وأشار أهادي إلى أن المشروع يتضمن 175 مادة بعد إضافة 88 مادة جديدة مقارنة بالنصوص السابقة، موضحاً أن الإشكال لا يرتبط بعدد المواد بقدر ما يرتبط بالسياق العام للمقتضيات التي اعتبرها بعض المهنيين مؤثرة على المبادئ الأساسية المؤطرة للمهنة، وعلى رأسها مبدآ الحصانة والاستقلالية. كما اعتبر أن عدداً من المتتبعين يرون في المشروع تراجعاً عن بعض المكتسبات التي جاء بها الظهير بمثابة قانون لسنة 2008.
وفي السياق ذاته، سجل رئيس الفرع المحلي لنقابة المحامين بالمغرب بتازة أن منهجية إعداد المشروع أثارت بدورها نقاشاً داخل الجسم المهني، حيث اعتبرت بعض الهيئات أن المقاربة التشاركية لم تكن حاضرة بالشكل الكافي خلال مراحل إعداد النص.
أما التأطير العلمي للأمسية فقد تولاه الأستاذ حسن شرو، عضو هيئة فاس، الذي حاول مقاربة موضوع مشروع قانون المحاماة من خلال مجموعة من التساؤلات الجوهرية التي تعكس طبيعة النقاش الجاري داخل الوسط القانوني، من بينها:
هل احترمت وزارة العدل مخرجات الاجتماعات التي عقدتها مع جمعية هيئات المحامين بالمغرب؟ وهل تمس الصيغة الحالية للمشروع بحقوق المحامين كما هي مؤطرة في باقي القوانين؟ وأين يكمن، إن وجد، المساس بمبدأي الحصانة والاستقلالية داخل مقتضيات المشروع؟ ثم إلى أي حد يمكن القول بوجود تراجع عن المبادئ الكونية المؤطرة لمهنة المحاماة؟
كما توقف المؤطر عند سؤال آخر يرتبط بإمكانية سحب المشروع من المسار التشريعي، على غرار ما حدث مع مشاريع قوانين سابقة، مؤكداً أن النقاش حول هذا الموضوع يظل مرتبطاً بتوازنات المسار التشريعي وطبيعة الحوار المؤسساتي بين الفاعلين.
وأكد شرو في مداخلته أن مهنة المحاماة شكلت عبر التاريخ دعامة أساسية لدولة الحق والقانون، وهو ما يجعل أي إصلاح تشريعي يهمها موضوعاً يتجاوز الإطار المهني الضيق ليصبح جزءاً من النقاش الأوسع حول إصلاح منظومة العدالة.
وشهدت الأمسية القانونية تفاعلاً ملحوظاً من طرف الحاضرين، حيث عرف النقاش تدخلات لعدد من النقباء وقيدومي المهنة والمحامين الشباب، الذين طرحوا تساؤلات وملاحظات حول عدد من مقتضيات المشروع وانعكاساته المحتملة على مستقبل الممارسة المهنية.
وخلصت الأمسية إلى التأكيد على أهمية استمرار النقاش المهني والأكاديمي حول مشروع قانون المحاماة، في أفق بلورة تصور تشريعي يوازن بين تحديث المهنة والحفاظ على استقلاليتها وضمان دورها المحوري في حماية الحقوق والحريات داخل منظومة العدالة.




