الجهوية

دوار “العناصر” بتازة: حين تُحجِم “أجيال المهجر” عن صلة الرحم بسبب طريق مهترئ وعطش مزمن

في قلب إقليم تازة، يقع دوار “العناصر”، لوحة طبيعية خلابة، غنية بأراضيها الخصبة، وأشجارها الباسقة، ورجالها ونسائها الكرماء. لكن خلف هذا الجمال، تختبئ حكاية عزلة مريرة وإهمال طويل، يجسدها مسلك ترابي متواضع هو كل ما يربط هذا المدشر بالعالم الخارجي.
هذا المسلك، الذي يفترض أن يكون شريان حياة، يتحول مع أولى قطرات المطر إلى فخ من الأوحال، قاطعاً أوصال الدوار ومعلناً بداية عزلة قسرية لسكانه. إنها ليست مجرد طريق تتعطل، بل هي أحلام تتوقف، ومصالح تتعطل، وقلوب ينهشها القلق على مرضاها وطلابها العالقين بين ضفتي الوحل.
والقصة لا تتوقف عند حدود المعاناة اليومية للسكان المحليين، بل تمتد لتضرب في عمق الروابط الإنسانية والوطنية. فكما يروي أبناء المنطقة، هناك عائلة واحدة يتجاوز عدد أفرادها الستين شخصاً من “مغاربة العالم”، مرتبطون وجدانياً بأرض أجدادهم، ويحلمون بالعودة كل صيف لصلة الرحم واستنشاق هواء بلادهم. لكن هذا الحلم يصطدم بواقع مرير: رداءة الطريق التي تحول رحلة العودة إلى مغامرة محفوفة بالمشقة، والعطش الحاد الذي يسيطر على أجزاء واسعة من الدوار خلال فصل الصيف.
هذه العائلة ليست سوى نموذج لمئات الأسر التي أحجمت عن زيارة أصولها، ليس كرهاً أو نسياناً، بل هرباً من معاناة كان من الممكن تفاديها لو توفر الحد الأدنى من البنية التحتية. إنه لأمر محزن أن يصبح المسلك الترابي سبباً في قطع أواصر صلة الرحم، وأن يصبح العطش سبباً في هجر أرض الأجداد.
نعم، “لله الحمد على نعمه” التي لا تحصى، من غيث نافع وأرض خصبة. لكن هذا لا يعفي البشر من مسؤولياتهم. فمسؤولية بناء طريق لائقة، وتوفير الماء الصالح للشرب، هي مسؤولية تقع على عاتق المجالس المنتخبة والسلطات المعنية. إنها مسؤولية تجاه أجيال الحاضر لضمان عيشهم الكريم، ومسؤولية تجاه أجيال المستقبل للحفاظ على ارتباطهم بوطنهم الأم.
ويبقى السؤال معلقاً في هواء دوار “العناصر” الجميل: إلى متى سيظل هذا الجمال الطبيعي محاصراً بالإهمال التنموي؟ وإلى متى ستبقى وعورة المسالك سبباً في وحشة الأهل وغربة الأبناء عن أرضهم؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى