
في صباح عصفور طل من الشباك، من صباحات تازة الباردة، كان الهواء يحمل صدى أحاديث مبعثرة داخل مقاهٍ اعتادت قبل يومين فقط أن تغمر زبناءها بإيقاعات خفيفة، موسيقى تعوّد روادها على سماعها دون أن يفكروا كثيراً في مصدرها أو في “قانونيتها”.
لكن المدينة كانت تعيش على وقع تغير غير مألوف؛ عون مراقبة قادم من مدينة فاس، يحمل أمر بمهمة من المديرية الجهوية للثقافة والشباب والإتصال، مفوض له بحكم قانون صادر سنة 2018 ، ممثلا للمكتب المغربي لحقوق المؤلف وحقوق المجاورة، يجوب شوارعها، محاضر تُحرَّر، ومخالفات تتراوح بين 2500 و9600 درهم تُعلَن في وجه أصحاب محلات لم يتخيلوا أن بثّ أغنية يمكن أن يُعتبر “استعمالاً غير مشروع”.
هذا التحقيق يدخل إلى قلب ما جرى، ويحاول تفكيك طبقات الصراع الصامت بين قانونٍ يحمي الإبداع و واقعٍ اقتصادي يحاول البقاء.
تحرير أولى المخالفات، كانت الساعة تشير إلى العاشرة صباحاً حين دخل عون المراقبة إلى أحد المقاهي على مستوى شارع بئر أنزران.
طلب من محمد وهو مسير المقهى، الاطلاع على ترخيص بثّ الموسيقى “فيروزيات”.
محمد، رجل في الخمسين من عمره، نظر إليه باستغراب:
“أي ترخيص؟ نحن نشغّل فقط موسيقى من التلفاز… أو من الراديو.”
لكن الجواب كان جاهزاً:
أي بثّ عمومي لمحتوى موسيقي داخل فضاء تجاري يتطلب إذناً مسبقاً، وفق القانون 2.00 المتعلق بحقوق المؤلف والحقوق المجاورة.
بعد دقائق، وُقّع محضر مخالفة.
كان ذلك واحداً من العشرات التي سُجّلت خلال يومين فقط في المدينة.
المعطيات الرسمية التي اطلعت عليها تازاسيتي تكشف عن تعليمات وطنية صارمة بتفعيل مقتضيات القانون 2.00، بعد سنوات من التساهل الذي سمح لقطاع كامل بالعمل خارج الإطار القانوني.
اللجان انتشرت في عدة مدن، وتازة كانت ضمن الدفعة الأولى.
مسؤول قال لنا:
“المرحلة اليوم ليست تحسيسية. انتهى ذلك الزمن. الآن نطبّق القانون، ونسترجع حقوقاً ضاعت لسنوات طويلة.”
هذا المسؤول يؤكد أن لجان التفتيش وجدت مقاهي تبث الموسيقى لساعات، دون أن تدرك أن ذلك يستوجب أداء مستحقات مالية للمكتب المغربي لحقوق المؤلفين.
في جولة قمنا بها عبر مقاهي المدينة، بدا المشهد مختلفاً:
مكبرات الصوت صامتة، التلفازات تعمل دون صوت أو دون قنوات موسيقية، والمالكون يتحدثون بحدة وقلق.
في مقهى صغير وسط المدينة، قال صاحب المقهى:
“جاءت اللجنة فجأة… لم يخبرونا بشيء من قبل. لسنا ضد القانون، لكن الأمر نزل كالصاعقة. المقهى بالكاد يُغطّي مصاريفه… فكيف لنا أن نتحمّل غرامات؟”
صاحب مقهى آخر بحي بين الجرادي كان أكثر حدة:
“الموسيقى ليست منتوجاً نبيعه. هي فقط خلفية صوتية. لو كانوا نبّهونا قبل أشهر، لكنا بحثنا عن طريقة للترخيص. أما الآن… فالغرامات تصل لـ9600 درهم! هذا كثير.”
تتكرر الشكوى ذاتها:
عدم وجود تواصل مسبق، غموض حول كيفية الترخيص، وجود أثمنة يصفها البعض بـ”غير المتناسبة” مع دخل المقاهي الصغيرة.
لمعرفة الصورة من الجهة الأخرى، تواصلنا مع أستاذ جامعي متخصص في قانون الملكية الفكرية.
سألناه: هل من المعقول فرض هذه الرسوم على المقاهي؟
أجاب:
“القانون 2.00 يهدف إلى حماية الإبداع. الفنان الذي تُبث أغانيه داخل مقهى يستحق أجراً مقابل ذلك، كما يحدث في كل دول العالم.”
وأضاف:
“المشكل ليس في القانون… بل في طريقة تنزيله. سنوات من الفوضى جعلت الناس يعتقدون أن الموسيقى مجانيّة، وأنها لا تحتاج إلى ترخيص. اليوم الدولة تصحح وضعاً غير سليم.”
لكن الخبير يعود ليضيف بوضوح:
“تطبيق القانون يجب أن يرافقه تواصل، جداول أسعار واضحة، وآليات تراعِي حجم كل محلّ. لا يمكن مساواة مقهى في حي شعبي بآخر فاخر في وسط المدينة.”
واحد من الأسئلة التي يطرحها أصحاب المقاهي يتعلق بمصير هذه المستحقات.
هل تصل فعلاً إلى الفنانين؟
مصدر داخل هيئة تدبير حقوق المؤلف أجاب:
“نعم، جزء مهم من هذه الرسوم يعود للفنانين والمنتجين. النظام يحتاج إلى الإصلاح، لكن لا شك أن الحقوق تُوزّع وفق آليات واضحة.”
لكن أصحاب المقاهي يردون:
“نحن نؤدي، لكن لا نعرف كيف تُحدد الأسعار، ولا كيف تُوزّع المداخيل. هذا جزء من المشكلة.”
هذا الجدل يفتح باباً أكبر:
بين الشفافية المطلوبة للقطاع، والحاجة إلى إصلاح هيكلي لمنظومة حقوق المؤلف نفسها.
تازة اليوم تعيش مفارقة غريبة:
مقاهٍ صارت صامتة بشكل غير مألوف، وسلطات تراقب، ومهنيون يستعدون لمرحلة جديدة قد تغيّر شكل العلاقة بين المقاهي والموسيقى.
على مدى يومين، لاحظنا أن عدداً من المقاهي:
-
خفّضت مستوى الصوت
-
ألغت تشغيل الموسيقى نهائياً
-
غيّرت نمط الخدمة لتجنّب المراقبة
-
أو علّقت ورقة تشير إلى “احترام القانون”
المدينة تعيش الآن مرحلة انتقالية قد تقود إلى نظام جديد، أو إلى توتر أكبر إذا لم تُواكبه إجراءات تواصلية واضحة.
المعطيات التي جمعها التحقيق تشير إلى سيناريوهين محتملين:
السيناريو الأول: تنظيم تدريجي
-
تواصل رسمي موسع
-
لوائح أسعار حسب حجم المحل
-
تبسيط إجراءات الترخيص
-
حملات تحسيس قبل المراقبة
وهذا السيناريو قد يؤدي إلى علاقة متوازنة بين أصحاب المقاهي وصنّاع الموسيقى.
السيناريو الثاني: مزيد من الاحتقان
إذا استمرت المقاربة الزجرية فقط، دون انفتاح على الحوار، فقد:
-
تتصاعد الاحتجاجات
-
تزداد حالات الامتناع عن البث
-
يُنظَر إلى القانون كعبء وليس كحماية للإبداع
في نهاية هذا التحقيق، تبدو الحكاية أكبر من مجرد غرامات أو محاضر.
إنها صراع بين:
-
قانون يريد حماية الإبداع
-
ومقاهٍ تحاول النجاة اقتصادياً
-
ومدينة تبحث عن التوازن
تازة اليوم تقف أمام سؤال جوهري:
كيف نطبق القانون دون أن نخنق المقهى؟
وكيف نضمن حقوق الفنان دون أن نكسر صوت الموسيقى؟
الإجابة ما تزال في الطريق…
لكن الواضح أن المرحلة المقبلة ستحدد ملامح علاقة جديدة بين القانون والمقهى، وبين الموسيقى والفضاء العام في المدينة.
رأي تازاسيتي بالموضوع، إذا كانت فعلا المبالغ التي سيتم استخلاصها ستؤدى للفنان بحكم ملكيته الفكرية للاغاني المعروضة، فكيف ستؤدى لفناني المشرق والذين قضوا نحبهم ، ونحن نعلم أن أغلبية رواد المقاهي من ذوي الذوق الرفيع ومن عشاق عبد الحليم حافظ، ام كلثوم، محمد عبد الوهاب، فريد الاطرش، فيروز…؟




