الوطن الآن

الذكرى الخمسون للمسيرة الخضراء بتاهلة: الإعلامي الجزائري وليد كبير يقدم قراءة في مكاسب المغرب بين ترسيخ السيادة وصناعة المستقبل

تاهلة – في إطار الندوة العلمية الدولية التي احتضنتها مدينة تاهلة تخليداً للذكرى الخمسين للمسيرة الخضراء، قدّم الإعلامي والسياسي الجزائري الأستاذ وليد كبير مداخلة فكرية مطوّلة بعنوان: «الذكرى الخمسون للمسيرة الخضراء: قراءة إعلامي جزائري في المكاسب التي حققها المغرب بين ترسيخ السيادة وصناعة المستقبل»، استعرض خلالها المسار التاريخي والسياسي والدبلوماسي الذي مكّن المغرب من تحقيق وحدته الترابية وترسيخ سيادته على أقاليمه الجنوبية.

وفي مستهل كلمته، عبّر الأستاذ وليد كبير عن شكره العميق لمدينة تاهلة وسكانها على حفاوة الاستقبال، مبدياً تقديره الكبير للمنظمين: جمعية المبادرة الوطنية للتنمية والنهوض بالمرأة القروية، وجماعة تاهلة، والمركز الأفرومتوسطي للتفكير والدراسات القانونية والسوسيو–اقتصادية برئاسة الأستاذ وديع الهامل، لما بذلوه من جهد نوعي في الإعداد والتنظيم. كما نوه بالاهتمام الذي يوليه رئيس جماعة تاهلة محمد أمغار للبعد الثقافي والفكري كرافعة للتنمية المحلية، وبالتعاون المثمر بين الجامعة والمجتمع، في إشارة إلى جامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، شريك الندوة.

أوضح المتحدث أن المغرب انطلق، منذ استقلاله سنة 1956، في مسار استكمال وحدته الترابية بوسائل متعددة، مستحضراً معارك جيش التحرير في الصحراء ضد الوجود الإسباني أواخر الخمسينيات، والتي وثقتها وسائل إعلام عالمية كصحيفة نيويورك تايمز سنة 1958.
وأكد أن هذا التوثيق الدولي يثبت أن تحرير الصحراء المغربية كان فعلاً نضالياً أصيلاً سابقاً للمسيرة الخضراء، ويعكس وحدة الشعب المغربي في مقاومة الاستعمار.

وتناول كبير في مداخلته العملية العسكرية الفرنسية–الإسبانية المشتركة المعروفة بـ”إيكوفيون” سنة 1958، مشيراً إلى أنها كانت محاولة استعمارية لإخماد المقاومة المغربية، لكنها فشلت في كسر إرادة التحرير، لتكشف عن قوة المشروع الوطني المغربي واستقلال قراره السيادي.

وأكد الإعلامي الجزائري أن المغرب كان السبّاق إلى تدويل قضية الصحراء ضمن لجنة تصفية الاستعمار بالأمم المتحدة، قبل ظهور أي طرف انفصالي، مبرزاً أن اعتراف المغرب بموريتانيا سنة 1969 كان خطوة ذكية لتثبيت الاستقرار المغاربي، وليس تنازلاً كما يُروَّج.

واعتبر وليد كبير أن المسيرة الخضراء سنة 1975 كانت حدثاً فريداً في التاريخ الإنساني، إذ خرج 350 ألف مغربي ومغربية في مسيرة سلمية نحو الصحراء، حاملين المصحف والعلم الوطني، دون سلاح، في مشهد حضاري أذهل العالم وأربك الاستعمار.
وأشار إلى أن المسيرة لم تكن مجرد خطوة رمزية، بل أسفرت عن اتفاقية مدريد التي أنهت رسمياً الوجود الإسباني في الصحراء وأعادت الأرض إلى السيادة المغربية ضمن إطار قانوني دولي.

وأوضح المتحدث أن مرحلة الثمانينيات شهدت تحولاً من الدفاع العسكري إلى البناء التنموي، بعد تشييد الجدار الأمني الذي أعاد الاستقرار إلى الأقاليم الجنوبية وأجبر الميليشيات الانفصالية على القبول بوقف إطلاق النار سنة 1991.
وأشار إلى أن المغرب، منذ ذلك الحين، انتقل من منطق “التحرير” إلى منطق “التمكين”، فبات يبني ويستثمر في أرضه بدل الاكتفاء بالدفاع عنها.

كما توقف وليد كبير عند مبادرة الحكم الذاتي التي قدمها المغرب سنة 2007، واصفاً إياها بـ«الرؤية الواقعية المتقدمة» التي تحافظ على الكرامة وتضمن التنمية في إطار السيادة الوطنية، مشيراً إلى أن مجلس الأمن الدولي اعتبرها «جادة وذات مصداقية» وأسس عليها جميع قراراته اللاحقة.

وأشار المتدخل إلى أن النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية، الذي أطلقه جلالة الملك محمد السادس سنة 2015، جسّد انتقال المغرب إلى مرحلة جديدة من التنمية المستدامة، عبر مشاريع كبرى في الطاقات المتجددة والموانئ والبنية التحتية والتعليم والبحث العلمي.
وقال إن الصحراء المغربية تحولت إلى ورش وطني ضخم يجسد فلسفة “من الدفاع إلى الإبداع”، مؤكداً أن المغرب اليوم يصنع المستقبل انطلاقاً من أرض استعادها بالسلام.

واعتبر الإعلامي الجزائري أن القرار الأممي رقم 2797 الصادر في أكتوبر 2025 يمثل تتويجاً لخمسين سنة من العمل الدبلوماسي الهادئ والنضال المتواصل، مؤكداً أنه وضع حداً نهائياً لأوهام الانفصال وأقر بالسيادة المغربية كمرجعية أممية ثابتة.
وفي هذا السياق، هنأ الأستاذ وليد كبير المغرب على هذا الإنجاز التاريخي، مثمناً قرار جلالة الملك محمد السادس جعل يوم 31 أكتوبر من كل سنة عيداً وطنياً للوحدة.

ولم يفت المتحدث الإشارة إلى أن الجزائر كان يُنتظر منها أن تساند المسار الوحدوي المغربي بحكم روابط الأخوة والجوار، لكنها اختارت للأسف دعم مشروع انفصالي تجاوزه الزمن.
وأضاف أن هذا الخيار لم يجرّ إلا المعاناة على سكان المخيمات، وأضاع على المنطقة عقوداً من التكامل الاقتصادي والسياسي، معرباً عن أمله في أن تنتصر الحكمة يوماً على منطق التفرقة.

وختم الأستاذ وليد كبير مداخلته بتأكيد قاطع أن الصحراء مغربية بالتاريخ والدم والقانون والإجماع الأممي، قائلاً:«حررها المغاربة بالسلاح، ودافعوا عنها بالجدار، ونمّوها بالاستثمار، وكرسوا سيادتها بالدبلوماسية والقرار الأممي الأخير. فالتاريخ لا يُزور، والأرشيف لا يُشترى، والمغرب اليوم يصنع السلام بالوحدة ويقود التنمية بالإرادة».

واعتبر أن المسيرة الخضراء لم تكن حدثاً عابراً، بل مشروعاً مستمراً لبناء مغرب متجدد بثوابته، منفتح على المستقبل بإرادة التنمية والسلام.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى